إسطنبول | بعد أسبوع على الانتخابات المحلية في تركيا، يستمر «حزب العدالة والتنمية» في طعونه في نتائج الانتخابات في إسطنبول، طالما هي ليست في مصلحته. وللمرة الأولى في تاريخ الانتخابات، قررت الهيئة العليا للانتخابات إعادة فرز وعدّ الأصوات التي اعتبرتها جميع اللجان الانتخابية ملغاة لسبب ما يحدده القانون، ووصل عددها إلى 319 ألفاً و540 صوتاً، من أصل 10 ملايين و570 ألفاً و939 (هو عدد الناخبين في إسطنبول)، شارك في التصويت منهم حوالى 8 ملايين و866 ألفاً و614 مقترعاً.

ووصف المتحدث باسم «حزب الشعب الجمهوري»، فائق آوزتراك، الضجة المفتعلة لقيادات «العدالة والتنمية» بأنها «مقصودة وفاشلة»، لأن إعادة الفرز والعد لن تغير من نتائج الانتخابات. وقال إنه في جميع انتخابات العالم توجد أصوات ملغاة، وإن نسبة الأصوات الملغاة في انتخابات الأسبوع الماضي إلى الأصوات المقبولة لم تتجاوز 3.6%، فيما كانت هذه النسبة في الانتخابات البلدية عام 2014 أكثر من 4.3%، وفي انتخابات 1999 حوالى 5٪. واتهم رئيس بلدية إسطنبول المنتخب، أكرم إمام أوغلو، الهيئة العليا بالانحياز إلى جانب السلطة. وقال إن الهيئة العليا رفضت جميع طعون «الشعب الجمهوري» واعتراضاته في استفتاء نيسان/ أبريل 2017 حين اعتمدت أكثر من 1.5 مليون صوت، على الرغم من وجود بطاقات الاقتراع التي لم تكن مختومة، وهو ما يخالف قانون الانتخابات.
واستغرب نائب رئيس «الشعب الجمهوري»، أوزكور آوزال، رهان «العدالة والتنمية» على الأصوات الملغاة والضغط على الهيئة العليا لإعادة فرزها وعدها، وسأل: «كيف للعدالة والتنمية أن يقدر نسبة الأصوات التي كانت لمصلحته من بين الأصوات الملغاة؟». وهو ما يزيد من الشكوك حول مساعي الحكومة للضغط على الهيئة لاتخاذ قرارها بإعادة فرز وعدّ جميع الأصوات في إسطنبول. إذ إن الأمر سيستغرق حوالى 4 أشهر، لأن عملية الفرز والعد ستكون في مركز واحد يشرف عليه ممثلو الهيئة العليا للانتخابات، فيما كانت عملية الفرز والعد في انتخابات الأحد الماضي قد تمت من قِبَل 31186 لجنة، وتضم كل لجنة أربعة أعضاء يضاف إليهم رئيسها. هذا في الوقت الذي تتهم فيه قيادات «الشعب الجمهوري» الحزب الحاكم بالضغط على رئيس وأعضاء الهيئة العليا الذين عينهم الرئيس رجب طيب إردوغان. ويقول هؤلاء إن الحكومة تسعى الى إلغاء الانتخابات، ليس فقط في إسطنبول، بل في أنقرة أيضاً. وذلك في محاولة منها لكسب أصوات الناخبين الذين لم يشاركوا في انتخابات الأحد الماضي استنكاراً لسياسات الرئيس إردوغان وأسلوبه. وهو أمر بيّنته استطلاعات الرأي التي أجريت بعد الانتخابات. ويتوقع «حزب العدالة والتنمية» لحوالى 130 ألفاً من الناخبين الذين صوتوا لـ«حزب السعادة الإسلامي» وأحزاب يمينية أخرى في انتخابات الأحد، أن يصوتوا له في حال إعادة الانتخابات في حزيران/ يونيو المقبل. ويستمر الحديث عن سيناريوات مماثلة في العاصمة أنقرة، على الرغم من أن الفرق بين مرشح «الشعب الجمهوري»، منصور ياواش، ومرشح «العدالة والتنمية»، محمد أوزحسكي، حوالى 123 ألف صوت.

الولايات التي فاز فيها «الشعب الجمهوري» تضمّ نصف سكان البلاد


وقد وافقت الهيئة العليا للانتخابات على طعون «العدالة والتنمية» في العديد من ضواحي المدينة، بعدما رفضت في انتخابات 2015 طعوناً مماثلة من «الشعب الجمهوري»، على الرغم من أن الفرق بين مرشحه ومرشح «العدالة والتنمية» آنذاك كان 30 ألفاً فقط. ورفضت الهيئة العديد من طعون «الشعب الجمهوري» و«الشعوب الديموقراطي» و«الحزب الجيد»، في الكثير من الولايات وضواحيها، علماً بأن الفرق في بعض الحالات كان ثلاثة أصوات فقط.
وجاءت تهديدات الرئيس إردوغان لمرشحي «الشعب الجمهوري» على شكل مثير، إذ تساءل: «كيف سيتسنى لرؤساء البلديات من الشعب الجمهوري في إسطنبول وأنقرة أن يخدموا الشعب طالما أن أغلبية أعضاء المجلس البلدي هم من العدالة والتنمية والحركة القومية؟». كلام الرئيس إردوغان هذا، عدّته أوساط «الشعب الجمهوري» اعترافاً غير مباشر بفوز إمام أوغلو في إسطنبول، وياواش في أنقرة.
وترجّح المعلومات أن وزير الداخلية سيعمد الى عزل رؤساء بلديات «الشعوب الديموقراطي» الذين فازوا في 8 ولايات وحوالى 80 قضاء جنوب شرق البلاد، بعد أن يتهمهم بالعلاقة مع «حزب العمال الكردستاني»، وهو ما فعله مع رؤساء البلديات السابقين والرئيسين المشتركين لـ«حزب الشعوب الديموقراطي»، صلاح الدين دميرطاش وفيكان يوكساكداغ، و9 من أعضاء البرلمان عن الحزب المذكور، وهم في السجن منذ أكثر من عامين. وبدا لافتاً تعليق من يشار ياكيش، وهو من مؤسسي «العدالة والتنمية» ووزير الخارجيه في أول حكومة له برئاسة عبد الله غيل بعد انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2002. إذ استبعد ياكيش للرئيس إردوغان القبول بالهزيمة، وتوقع أنه «سيلجأ إلى كل الوسائل لتغيير النتيجة في إسطنبول لما للمدينة من مكانة مهمة سياسياً ومادياً ونفسياً، حيث عمليات الفساد الخطيرة التي لا يريد لها أن تنكشف، ولما لها من علاقة بجمعيات وتنظيمات يديرها نجله بلال وابنته واكد ياكيش». وشدد على ضرورة الدفاع عن الديموقراطية، مؤكداً أن «أكرم إمام أوغلو حقق انتصاراً ديموقراطياً مهماً». وفي الأرقام ما يثبت كلام ياكيش، إذ فاز إمام أوغلو بنسبة عالية من الأصوات، زادت عن جميع النسب التي حصل عليها مرشحو «العدالة والتنمية» بعد انتخابات 1994، عندما أصبح إردوغان رئيساً لبلدية إسطنبول، بعدما حصل على 25.2% من مجموع الأصوات آنذاك. أما أكرم إمام أوغلو فقد حصد 48.8% من الأصوات بعد 25 عاماً من انتخاب إردوغان لهذا المنصب.
بدوره، شدد إمام أوغلو على عدم التراجع، متهماً الهيئة العليا للانتخابات بعدم الالتزام بالدستور والقوانين والرضوخ لتهديدات «العدالة والتنمية» الحاكم. وقال: «مهما فعلوا فإن النتائج ستكون لمصلحتنا، والأمور ستكون محسومة بداية الأسبوع». وأشارت أوساط المعارضة إلى صعوبة الاستسلام بالنسبة إلى الرئيس إردوغان، واستبعدت القبول بالأمر الواقع لما لإسطنبول وأنقرة و19 ولاية فاز بها «الشعب الجمهوري» من أهمية وثقل سياسي وسكاني واقتصادي ومالي كبير، على الرغم من أن «العدالة والتنمية» حصل على 44.5% من مجموع أصوات الناخبين في عموم تركيا. كما أن «العدالة والتنمية» فاز في 24 ضاحية من ضواحي ولاية إسطنبول، وعددها 39 ضاحية. وبينت الأرقام أن سكان الولايات التي فاز فيها «الشعب الجمهوري» يمثلون نصف سكان تركيا البالغ عددهم 82 مليون نسمة. كما أن حصة بلديات «الشعب الجمهوري»، وعددها 21 ولاية، من الدخل القومي لتركيا يزيد على 63%. وفاز مرشحو الحزب المعارض في جميع الولايات المطلة على الأبيض المتوسط وبحر إيجة وبحر مرمرة وعدد من بلديات البحر الأسود.