ما لم تحدث مفاجآت، يُرجّح أن يؤلف حزب «الليكود»، برئاسة بنيامين نتنياهو، حكومة إسرائيل المقبلة. الترجيح مبنيّ على توقع بعجز لائحة «أزرق أبيض» الوسطية المنافسة ــــ إن تقدمت على «الليكود» ــــ عن تأمين ثقة الأغلبية في الكنيست، والتي باتت شبه مستقرة في جعبة معسكر اليمين، بحسب نتائج استطلاعات الرأي.

حزب «الليكود» (الحركة القومية الليبرالية)، هو حزب صهيوني ليبرالي على يمين الخريطة السياسية في إسرائيل. تأسّس عام 1973 كائتلاف من عدد من الأحزاب اليمينية، التي عادت واندمجت لاحقاً تحت مسمى «الليكود» نفسه عام 1988. ومنذ سنة التأسيس إلى الآن، يتحكم «الليكود» في معظم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبشكل متواصل منذ عام 2009 من دون انقطاع، برئاسة بنيامين نتنياهو.

عمد نتنياهو إلى إجراء دفاعي استباقي للحؤول دون تهديدات من البيت الحزبي (أ ف ب )

يخوض «الليكود» حالياً سباقاً على الصدارة مع منافسه الرئيس «أزرق أبيض» (الوسطي)، برئاسة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق بني غانتس. وعلى رغم تمكن ائتلاف غانتس من التقدم على «الليكود» بين الحين والآخر مع فروق بسيطة، إلا أن نتائج استطلاعات الرأي تؤكد التقارب بين الجانبين.
وحتى لو تمكنت لائحة «أزرق أبيض» من الفوز بالمرتبة الأولى لجهة عدد المقاعد، فهذا لا يعني أنها ستتمكن من تأليف الحكومة، إذ إن معظم أحزاب المعسكر اليميني، بما يشمل الأحزاب الدينية، يُقدّر أن تحصل على أغلبية المقاعد الـ120، مع التزامات معلنة بأنها تقف إلى جانب نتنياهو ولن تأتلف في حكومة إلى جانب غانتس.
ونتيجة هذه المعطيات، فإن فوز غانتس لا يعني تلقائياً تكليفه. وفي حال حدث ذلك، فالتقدير أنه سيتعذر عليه تأمين الثقة لحكومة برئاسته، لكون مقاعد أحزاب الوسط واليسار، إضافة إلى مقاعد فلسطينيي عام 1948، لا يُقدّر أن تصل إلى الأغلبية المطلوبة: 61 من أصل 120.

الصدارة غير المُحبّبة
مع ذلك، النتائج ليست حتمية، على رغم ثبات التقديرات في شأنها كما تظهر استطلاعات الرأي. فـ«الليكود»، أو المعسكر اليميني بصورة عامة، يواجه «مشكلة الصدارة» المطلوبة لذاتها على حساب لائحة «أزرق ـــ أبيض» برئاسة غانتس، إذ كلّما تقدم «الليكود» واحتلّ الصدارة، تضاعف احتمال تخلّف الأحزاب اليمينية التي تُعدّ صغيرة نسبياً (مثل «إسرائيل بيتنا» لأفيغدور ليبرمان و«كولانو» لوزير المالية موشيه كحلون) عن إمكانية تجاوز العائد الانتخابي الواجب أن تحصل عليه لدخول الكنيست. وهذا يعني ضياع أصوات يمينية، وبالتالي سقوط أحزاب من هذا المعسكر، وربما فقدان اليمين أغلبية المقاعد في الكنيست. وعليه، لا يُعدّ تقدم «الليكود» ملائماً بالضرورة لمسعى اليمين في تأليف الحكومة لاحقاً، وربما تكون تبعاته سلبية على نتنياهو، وهو ما قد يراهن عليه خصوم «الليكود» من معسكرَي الوسط واليسار.

الوصولية والسلطة
في الموازاة، من المفيد الإشارة إلى غياب الشخصيات الكاريزماتية التاريخية في «الليكود» ـــ مع غياب هذا الجيل بالكامل في إسرائيل ـــ والتي تتصلّب في مواقفها لتحقيق «مبادئها» في الأعمّ الأغلب، ومن بينها مؤسّسا الحزب مناحيم بيغن وأريئيل شارون، وإسحاق شامير لاحقاً. القيادة الحالية لـ«الليكود»، كما شخصيات الصف الأول، هي أيضاً قيادات سلطة، بمعنى أن هدفها الأول هو المنصب والإمساك به، مع تأخير «المبادئ» ومصلحة الدولة إلى الخلف، إن أمكن. ويعني ذلك أن السلطة أولاً واليمينية ثانياً، بما يشمل مبادئ اليمين التاريخية لمؤسس الحركة الصهيونية اليمينية زئيف جابوتنسكي، التي تقدم أرض فلسطين الكاملة من النهر إلى البحر، وربما ما بعدها وما يمكن احتلاله من أراضٍ، على أي اعتبار آخر.
هذا المنحى يفسر توزع قيادات «الليكود» على معسكرات داخل الحزب نفسه، حيث تتنافس على تظهير تطرفها ويمينيتها، ليس من أجل التطرف نفسه، بل على طريق «ما يطلبه الجمهور». بمعنى آخر، اليمينية والتشدد ضد الفلسطينيين مطلب وسيط للوصول إلى مراضاة الجمهور اليميني الذي يزداد يمينية، أكثر من كونه تعبيراً عن تمسك بالمبادئ التي تأسس عليها اليمين الصهيوني وأحزابه.
حكومة «الليكود» لن تغيّر كثيراً استراتيجيات إسرائيل في مجمل القضايا والملفات


في المحصلة، وبناءً على ما تمت الإشارة إليه، يُعدّ بنيامين نتنياهو قائد الوصوليين في حزب «الليكود»، الذي يُقْدم على أي شيء يقدر عليه كي يبقى في السلطة، بينما الآخرون في الصف «الليكودي» الأول يجهدون لطلب المناصب ذاتها إن سنح لهم الظرف، أي مزيد من الوصولية، وفي الوقت نفسه مزيد من التملق. يفسر ذلك اصطفاف قيادات «الليكود» إلى جانب نتنياهو بعد اتهامه برشى وفساد، خصوصاً أن مشوار الإدانة طويل نسبياً، وفي الوقت نفسه إمكانية الطعن فيه والابتعاد عنه، ما إن تلوح فرصة حقيقية لإبعاده وإسقاطه.
بناءً على على ما تقدم، تبدو الشخصيات الرئيسة في الحملة الانتخابية الحالية لـ«الليكود» على نحو ما ورد في أحد التقارير العبرية: نتنياهو ونتنياهو ونتنياهو، إذ كان ملفتاً أن لا ثقة لدى نتنياهو بشركائه في اللائحة «الليكودية»، ما دفعه إلى إجراء دفاعي استباقي للحؤول دون تهديدات من البيت الحزبي تتعلق بوضعه القانوني، ومنع بروز شخصيات رديفة له خلال الحملة الانتخابية، والاعتماد فقط على نفسه في قيادة الانتخابات، وتقليص عدد المستشارين من خارج «الليكود».

تغيير سياسات؟
يتوقع أن يكلف رئيس الدولة «الليكود»، برئاسة نتنياهو، تأليف الحكومة المقبلة، ما بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات. وأرجحية التكليف تفرض نفسها، وإن كان هناك مكان في اعتبارات الواقع، ربطاً بعدد مقاعد أكبر قد تحصل عليه لائحة «أزرق أبيض»، لتأخير التكليف والتشكيل إن تقرر تكليف غانتس أولاً. وستكون الحكومة المقبلة برئاسة نتنياهو، على الأرجح، استنساخاً للحكومة الحالية، مع تغييرات شكلية لا تؤثر في بلورة القرار كما هو عليه حالياً، مع أو من دون تمكن «الليكود» من توسيع قاعدة الائتلاف ما أمكن، طلباً لاستقرارها فترة طويلة.
وبالنتيجة، حكومة «الليكود»، اليمينية كما يرجّح، لن تغيّر كثيراً استراتيجيات إسرائيل في مجمل القضايا والملفات الأمنية والسياسية، تجاه قوس ساحات التهديد على اختلافها، إذ تتحكم فعلياً في القرار الإسرائيلي القدرة والاستطاعة، وفي الهامش الميول والمصالح. أثمان المواجهة العسكرية باتت مرتفعة، و لا يقين حول نتائجها إلى الحدّ الذي يلزم إسرائيل، مهما كانت هوية الحكومة، بالتعقل والاحتواء، وإبعاد الخيارات العسكرية الشاملة إن لم يكن «اللاخيار» سببها، وفقاً للمعنى الحرفي لكلمة «اللاخيار».