اعتبارات عديدة، جيوسياسية وجيواقتصادية، دفعت روسيا إلى الوقوف إلى جانب الرئيس نيكولاس مادورو في مواجهة الحرب الهجينة التي تشنها عليه الولايات المتحدة. صحيفة «واشنطن بوست» كشفت أن مسؤولين أساسيين في إدارة دونالد ترامب كانوا قد أسرّوا لها في مناسبات مختلفة، خلال الشهرين الماضيين، باقتناعهم بقرب انهيار النظام الفنزويلي، وأنهم باتوا يستعدون اليوم لصراع طويل وغير محسوم النتائج، وأن السبب الرئيس لذلك هو التدخل الروسي. عرقل هذا الأخير، وقد يكون حتى أفشل، المحاولة الثانية، بعد تلك التي جرت في سوريا، لتغيير نظام حكم في بلد سيد ومستقل، بتدخل وإشراف مباشرين من التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين والمحليين. هذا الهدف بذاته يقع في مقدمة الاعتبارات الروسية، وهو يندرج ضمن رؤية استراتيجية تنطلق من ضرورة تثبيت مبدأ السيادة الوطنية في العلاقات الدولية، في مقابل سياسات الهيمنة الغربية القائمة على إعادة النظر فيه مسوغات وذرائع شتى، كواجب التدخل الإنساني ونشر الديمقراطية وغيرهما، والتي تشكل خطراً على روسيا ومصالحها، وعلى بقية دول العالم غير الغربي. ولا شك في أن هذا التوجه الروسي سيزيد من حدة التوتر المتصاعد بين موسكو وواشنطن.


إفشال مساعي واشنطن
في بدايات هذا الشهر، قدم الجنرال فاليري غيراسيموف، رئيس الأركان الروسي، مداخلة أمام أكاديمية العلوم العسكرية في موسكو، متمحورة حول التطورات في ميدان الاستراتيجيا والعلوم العسكرية. وقد تناول غيراسيموف آخر المستجدات المرتبطة بمنظومات السلاح والصواريخ التي شرعت الولايات المتحدة في بنائها، وخروجها المتتالي من اتفاقيات الحدّ من التسلح الصاروخي والنووي، والتحديات الناجمة عنه بالنسبة إلى بلاده. ولم يغفل رئيس الأركان، عند تحليله السياسة الأميركية، أن «غايتها هي تصفية الحكومات غير الخاضعة لها وانتهاك مبدأ السيادة»، معتبراً أن «هذا ما تشهده حالياً فنزويلا». المداخلة لم تقتصر على مجرد استعراض القرارات والسياسات الأميركية، بل تضمنت أيضاً توضيحات عن الإجراءات الروسية للردّ عليها. وما لفت المراقبين هو إعلان غيراسيموف ما سمّاه «استراتيجية التدخل المحدود».
الخبير العسكري الروسي، ديمتري ستيفانوفيتش، رأى، من جهته، في مقال نشره في «موسكو تايمز»، أن «هذه الاستراتيجية هي ربما التبرير النظري الأول للعمليات العسكرية في مسارح بعيدة كسوريا. يستند هذا النمط من العمليات إلى إرسال عديد من القوات قادر على الاكتفاء الذاتي وعلى التحرك السريع لتنفيذ المهام الموكلة إليه بجدارة. في سوريا، تم تكليف قوات تابعة لسلاح الجو بدور كهذا». على الأغلب، فإن إرسال قوات روسية إلى فنزويلا يأتي أيضاً كترجمة لهذه الاستراتيجية. وبما أن التدخلات العسكرية اليوم، خاصة المحدودة منها، أصبحت تلجأ في حالات كثيرة إلى الاعتماد الجزئي على قوات رديفة أو شركات أمنية خاصة، فإن التدخل الروسي في فنزويلا، على غرار الذي سبقه في سوريا، لا يشذّ عن هذه القاعدة المستحدثة من قِبَل الأميركيين والغربيين أولاً، في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا. صحيفة الـ«غارديان» أشارت، في مقال صادر في 25 كانون الثاني/ يناير الماضي، إلى أن مصادر وثيقة الارتباط بمجموعة «فاغنر» الأمنية الخاصة، ذات الصلة العضوية بالجيش الروسي، والتي لعبت دوراً مهماً في أوكرانيا وسوريا، والناشطة في عدة دول أفريقية كالسودان وجنوب أفريقيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، قد أطلعتها على وصول قوة منها إلى فنزويلا. وبحسب هذه المصادر، فإن مهمتها محصورة بالمساهمة في حماية المسؤولين السياسيين من مخاطر تعرّضهم لمحاولات اغتيال.
تصرّ أوساط سياسية وإعلامية غربية على أن الموقف الروسي من فنزويلا محكوم أولاً باعتبارات اقتصادية ومالية. فديونها لروسيا تصل إلى 3.1 مليارات دولار، وشركة «روزنفت» الروسية استثمرت مليارَي دولار في قطاعها النفطي، وتعتزم توسيع استثماراتها في المستقبل. وعلى الرغم من أن هذه المعطيات لا تغيب عن بال صانع القرار الروسي، إلا أنها ليست الدافع الأول لقراره بالتدخل. فإذا كانت الأزمة السورية قد فتحت نافذة فرص أمام روسيا للالتفاف على استراتيجية الاحتواء والتطويق التي اعتمدتها حيالها الولايات المتحدة وحلف الـ«ناتو»، والعودة إلى الساحة العالمية من بوابة الشرق الأوسط، فإن الأزمة الفنزويلية تفتح نافذة فرص للتموضع في ما تنظر إليه واشنطن على أنه حديقتها الخلفية.
هي سياسة شبيهة بتلك التي اتبعها الاتحاد السوفياتي، مع اختلاف الخلفيات الأيديولوجية والسياسية، لمواجهة الاحتواء الأميركي والغربي عبر التحالف مع حركات التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث ودعمها، من مصر الناصرية وصولاً إلى كوبا. وإذا كانت الخطط الأميركية الراهنة ترتكز على نشر القوات العسكرية والمنظومات المضادة للصواريخ في جوار روسيا والصين، فإن الأولى لم تتردد في الوجود عسكرياً، ولو بعديد محدود حتى اللحظة، في جوار الولايات المتحدة. أما الصين، فقد كان لافتاً تصريح الناطق باسم وزارتها الخارجية، جنغ شوانغ، بأن «بلدان أميركا اللاتينية هي دول ذات سيادة، ويحق لها أن تحدد سياساتها الخارجية، وأن تقيم علاقات تعاون متبادلة مع البلدان التي تختارها... هي ليست حديقة خلفية لدولة ثالثة»، وذلك دفاعاً عن استقبال فنزويلا لقوات روسية. يشكل الرفض الصيني لاعتبار أميركا اللاتينية حديقة خلفية للولايات المتحدة، رداً مباشراً على التصريحات المستمرة للمسؤولين الأميركيين، والتي تكرر معارضة واشنطن اعتبار بحر الصين الجنوبي، حيث تدور مواجهة استراتيجية بين واشنطن وبكين، «بحراً صينياً».
الحسابات الجيوسياسية تطغى على تلك الاقتصادية في تحديد مواقف روسيا والصين. تقرير نشرته «نيويورك تايمز» في 8 آذار/ مارس الماضي عن اجتماع عقد في بدايات ذلك الشهر بين مسؤولين سياسيين بارزين وآخرين من شركات النفط الروسية الأهم، أظهر تبايناً في الآراء حول الموقف الواجب اتخاذه من الأزمة الفنزويلية، ومطالبة جناح «معتدل» بتبني مقاربة «براغماتية» لا تعارض من حيث المبدأ عملية انتقالية في فنزويلا إذا تمت على قاعدة التفاوض الذي يقود إلى تسوية تحفظ مصالح جميع الأفرقاء المحليين والدوليين. لكن مواقف صانع القرار في الكرملين لم تعكس أي تأثر بهذه الآراء. بعض التحليلات في بداية الأزمة راهنت أيضاً على أن تكون المقاربة الصينية «براغماتية»، نظراً إلى ضخامة مصالحها في فنزويلا، ولكن المواقف الصادرة من بكين بدّدت هذه الرهانات. نحن أمام مواجهة جيوسياسية تسعى فيها موسكو وبكين إلى إفشال مشروع تغيير النظام في فنزويلا بعد إفشاله في سوريا، وفرض احترام مبدأ السيادة الوطنية للدول.