اسطنبول | انجلت الليلة التالية للانتخابات المحلية التركية عن أنباء أكثر إيلاماً لـ«العدالة والتنمية» وقائده رجب طيب أردوغان، رغم الفوز في مجمل الجولة. وإن حافظ الحزب الحاكم على قاعدته الشعبية وتَصَدّر الأرقام، فإن سقوط اسطنبول شبه المحتّم، مع وجود بعض الجدل القانوني، أحدث صدمة معنوية لأردوغان وأنصاره، وهو الذي تبنّى في الحملات الانتخابية مقولة إن اسطنبول صورة مصغّرة لتركيا وإن الذي يفوز فيها يفوز في كامل البلاد.

في خطابه التقليدي من شرفة مقر «حزب العدالة والتنمية» في العاصمة أنقرة، كما جرت العادة بعد كل انتخابات، هنّأ أردوغان أنصار حزبه بالفوز في الانتخابات المحلية التي شهدتها البلاد يوم الأحد الماضي، مشيراً إلى أن حزبه حصل على 16 بلدية كبرى و24 بلدية مدينة و538 من بلديات الأقضية، و200 بلدة. ورغم أن الحزب يعدّ المنتصر في الانتخابات، فإنه انتصار بطعم الهزيمة بسبب ضياع أكبر المدن في تركيا، وفي مقدمتها اسطنبول والعاصمة أنقرة.
شكلت هزيمة مرشح «العدالة والتنمية» وتحالف الشعب، رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، أمام مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، صدمة لكل أنصار الحزب. فللمرة الأولى يخسر الحزب الانتخابات في اسطنبول، أكبر وأهم الولايات في البلاد منذ وصوله إلى الحكم. وطبقاً للنتائج الرسمية غير النهائية التي أعلنها رئيس الهيئة العليا للانتخابات، حصل إمام أوغلو على 4 ملايين و159 ألفاً و650 صوتاً، مقابل حصول يلدريم على 4 ملايين و131 ألفاً و761 صوتاً، بفارق 27 ألفاً و889 صوتاً فقط.
تسرّع يلدريم في إعلان فوزه برئاسة بلدية اسطنبول، مساء أول من أمس، قبل انتهاء الفرز وقبل إعلان النتيجة الرسمية، ما دفع المعارضة إلى التشكيك مقدماً في النتيجة التي ستظهر، وحثّ الهيئة العليا للانتخابات على الإسراع في إعلان النتيجة وعدم الخضوع لأي ضغوط، وهو ما حدث بالفعل بعدها بساعات قليلة. ورغم أن كلمة أردوغان تضمنت اعترافاً ضمنياً منه بالهزيمة في اسطنبول (قال إن الناخبين ولو لم يصوّتوا للحزب لرئاسة البلدية الكبرى في اسطنبول ، فقد صوّتوا لنا في رئاسة بلديات الأقضية)، فإن الحزب لم يتقبل النتيجة. وأعلن رئيس فرع الحزب في اسطنبول، بيرام شان أوجاك، أن المعطيات التي لدى الحزب تظهر فوز مرشح حزبه بن علي يلدريم في انتخابات بلدية اسطنبول. كما قال يلدريم إن النتيجة لم تحسم بعد، وإن عدد الأصوات الباطلة التي ستتم إعادة فرزها يبلغ 10 أضعاف الفارق بينه وبين منافسه (319.558 صوتاً) وأنه سيهنّئ منافسه إذا ثبت أنه فاز فعلاً وفق النتائج الرسمية النهائية. لم يكتف الحزب بذلك، بل أعلن نائب رئيس الحزب، علي إحسان ياووز، أن 17 ألفاً و410 أصوات فرزت من 309 صناديق في مدينة اسطنبول، سُجّلت في خانة أحزاب أخرى، مؤكداً أن الحزب يثق بالبيانات التي لديه، والتي تشير إلى فوز مرشحه بن علي يلدريم.

لا يزال «العدالة والتنمية» غير متقبّل لنتيجة إسطنبول


ورغم فوز الحزب برئاسة معظم بلديات الأقضية في اسطنبول وأنقرة، فإنه لم يتمكن من تحقيق النصر على مستوى الولاية، ما رآه البعض عقاباً أو رسالة تحذير شعبية لقياداته. الصحافي التركي باتوهان تاكيش، أرجع هزيمة الحزب في أنقرة واسطنبول إلى إخفاق الحزب في تقديم مرشحيه للشعب بشكل جيد، وعدم تركيزه على الوعود الانتخابية والمشروعات التي سيقوم بتنفيذها، وتفضيله الحديث عن موضوعات وقضايا يومية خلال حملاته الانتخابية، إضافة إلى أخطاء في اختيار المرشحين عن الحزب في البلديات الكبرى، ما سبّب حالة من عزوف الناخبين عن التصويت لهم. أما سنان أوزتورك، وهو صحافي تركي أيضاً، فيرى أن «العدالة والتنمية»، وإن كان قد حقق الانتصار في الانتخابات، إلا أن هذا الانتصار كلّفه ثمناً باهظاً «ما يجعله نصراً بطعم الهزيمة». وأضاف أن أردوغان، وإن كان قد بذل مجهوداً كبيراً في الحملة الانتخابية، وخصوصاً في اسطنبول، إلا أن الأخطاء التي وقع فيها خلال الحملة الانتخابية، وتركيزه على شيطنة معارضيه والتقليل من شأنهم، ومهاجمة «تحالف الأمة» (بين «الشعب الجمهوري» و«الحزب الجيد») بدلاً من التركيز على مشروعات ووعود حقيقية، أدت إلى نتيجة عكسية دفعت الناخبين إلى التصويت لمنافسي «العدالة والتنمية» في المدن الكبرى. ورأى أوزتورك أن الناخب التركي لم يقتنع بفكرة أن الانتخابات هي «قضية بقاء» للوطن، وأن المدن الكبرى عاقبت الحزب بسبب تردي الحالة الاقتصادية.
وليل أمس، فتح رئيس الجنة العليا للانتخابات، سعدي غوفن، الباب أمام تقديم الطعون حتى منتصف نهار اليوم الثلاثاء. وأوضح غوفن أنه يمكن الاعتراض لدى لجان الانتخابات في الولايات ضد نتائج لجنة انتخابات الأقضية، وأن مهلة الاعتراض على مستوى الأقضية هي يوم واحد. وأفاد بأنه تم حتى الآن فرز 31 ألفاً و102 من الصناديق الانتخابية في اسطنبول، وبأنه لا يزال هناك 84 صندوقاً لم تفرز بسبب الاعتراض. وقد سارع «العدالة والتنمية»، الغاضب من نتائج أنقرة واسطنبول، في تقديم طعون ضد النتيجة في بعض صناديق العاصمة أنقرة ومدينة اسطنبول. طعون من شأنها توجيه الأنظار باتجاه مسار الأمور والموقف من قرار اللجنة العليا للانتخابات اليوم، مع أن تصريحات يلدريم الأخيرة بدت متقبلة أكثر للخسارة، وهو وإن رفض تهنئة خصمه حتى ظهور النتائج النهائية، فإنه شدد على احترام خيار سكان اسطنبول، وقال «نعرف كيف نقدم التهاني، ولكن الأمور لم تنتهِ بعد»، مؤكداً أن أمر إعادة الانتخابات «غير وارد».