إسطنبول | على وقع الأزمات الاقتصادية، يستعد ملايين الناخبين الأتراك يوم غد الأحد للإدلاء بأصواتهم لانتخاب رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين (المخاتير)، في سباق يُنظر إليه على أنه اختبار جديد لـ«حزب العدالة والتنمية» الحاكم، ممثلاً بالرئيس رجب طيب إردوغان. واحتدمت النقاشات السياسية مع انطلاق الحملة الانتخابية في محافظات البلاد، مع تركيز الأحزاب المتنافسة على المدن الكبرى، مثل إسطنبول التي يعتبر جلّ المتابعين للوضع التركي أن من يفوز بها «فإنه يفوز بتركيا كونها تعتبر صورة مصغرة للبلاد». كذلك الأمر في العاصمة أنقرة التي اهتزت ثقة الناخبين فيها بالحزب الحاكم بشكل كبير، وفقاً لاستطلاعات رأي عديدة أجريت فترة الدعاية الانتخابية، أظهرت تقدماً لمرشح «حزب الشعب الجمهوري». إذ أعطى استطلاع شركة «ORC»، على سبيل المثال، مرشح «حزب الشعب الجمهوري» و«تحالف الأمة» في أنقرة، منصور يافاش، 41.9 %، مقابل 36.8 % لمرشح «العدالة والتنمية» و«تحالف الشعب»، محمد أوزحسكي. وهي استطلاعات لم يستطع إردوغان إغفالها في خطاباته الانتخابية الذي اضطر فيها إلى القول إنه «لا يثق بنتائج استطلاعات الرأي»، على الرغم من افتخاره بالنتائج الكبيرة لحزبه في الاستطلاعات في ما قبل. كذلك، تصدرت المعارضة، ممثلة بـ«تحالف الأمة»، استطلاعات الرأي في مدينة إزمير المحسوبة على «حزب الشعب الجمهوري».


التحالفات
وفي ظلّ الأجواء السياسية الحامية، تفرض الانتخابات المحلية واقعاً جديداً، حيث تصطفّ في مرحلة ما قبل الانتخابات تحالفات سياسية على صعيد وطني. إذ تحالف «العدالة والتنمية» مع «الحركة القومية» المحافظ، ضمن ما أُطلق عليه «تحالف الشعب». وانضمّ حزب المعارضة الرئيسي، «الشعب الجمهوري» اليساري، إلى «الحزب الجيد» المحافظ، وأنشآ معاً ما سمياه «تحالف الأمّة». ويُعدّ هذا التشكيل نسخة مطابقة من التحالفين اللذين تشكَّلا وتقابلا في انتخابات 2018 الرئاسية والبرلمانية الحاسمة آنذاك. في هذا السياق، يقول الصحافي، عوني أوزغوريل، إن تحالفات ما قبل الانتخابات هي إحدى النتائج المنبثقة عن التغيير الممنهج الذي جاء مع الاستفتاء الدستوري الذي جرى في أبريل/ نيسان 2017، والذي غيَّر النظام البرلماني في تركيا وحوّله إلى نظام رئاسي. ويضيف أوزغوريل: «بعد التحوُّل إلى النظام الرئاسي، تبلورت معادلة سياسية، تمثلت في ظهور حاجة ملحة لوصول الأحزاب السياسية إلى حاجز 51% (من أجل الوصول إلى السلطة)»، الأمر الذي يدفع أي حزب أو زعيم في البلاد إلى إقامة التحالفات لتأمين الحصول على أغلبية 51% للوصول إلى المناصب الرفيعة.

تحتدم المنافسة في إزمير، المعقل التقليدي لـ«الشعب الجمهوري»


أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة صابنجي، فؤاد قايمان، فيرى أن أحزاب يمين الوسط في تركيا ما قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية كانت تتمتع في الغالب بحوالى 65% من قاعدة الناخبين، في حين كان يسار الوسط يحظى بدعم 35%. ويرى قايمان أنه مع دخول النظام الرئاسي حيز التنفيذ العام الماضي، تغيرت التركيبة الانتخابية التركية تغيراً عميقاً، لافتاً إلى أن تركيا «انتقلت تدريجياً من معادلة 65-35 السياسية القديمة إلى معادلة جديدة تكون النسب فيها 51-49 أو 52-48». ويضيف: «في الوقت الذي خلق فيه هذا حالة من الاستقطاب، فإنه أشار أيضاً إلى واقع اجتماعي جديد. ونتيجة لذلك، بات الفوز بالانتخابات في تركيا منذ الاستفتاء مهمة أصعب على نحو متزايد، ما أجبر الأحزاب على تطوير استراتيجيات جديدة وتشكيل تحالفات سياسية».

الأزمة الاقتصادية
يتصدّر الاقتصاد التركي، الذي انزلق إلى أول ركود له منذ عقد، أجندة الانتخابات حتى الآن. ويقول مستشار إردوغان ياسين أقطاي: «ندرك جيداً أن الكثير من الناخبين غير راضين عن التطورات الاقتصادية الأخيرة، هذا أمر لا يمكننا تجاهله». ويضيف: «مع ذلك، لا يعتقد الناس أن أي حزب معارض سوف يعالج تلك المشكلات، إنهم يعتقدون أن حزب العدالة والتنمية هو الحزب الذي يتعامل مع هذه المشكلات، ويبلي في مواجهتها بلاء حسناً، وهذا من خلال استرجاعهم لأداء الحزب لمدة 17 عاماً في إدارة البلاد». في المقابل، تتهم أحزاب المعارضة الحزب الحاكم بالضلوع في المشكلة الاقتصادية القائمة اليوم، وبأن الحكومة تحاول التستر عليه باستمرار.
وتعتقد نائبة رئيس «حزب الشعب الجمهوري»، غمزة أكوش إلغزدي، أنه لا يمكن لحكومة قادت البلاد لمدة 17 عاماً، وخلقت الأزمة الاقتصادية الحالية، أن تحلّها. وتقول إلغزدي: «لم تشعر تركيا مطلقاً بفقر من هذا القبيل، فالناس لا يشترون سوى الاحتياجات الأساسية من محال البقالة. الناس يريدون فعلاً من الأشخاص الذين يمتلكون السلطة وليس الوعود، وهم بالتأكيد لا يعتقدون بأن الحل يكمن في هذه الحكومة». وسط هذا النقاش، ثمة اعتقاد بأن عدم وجود بدائل لـ«العدالة والتنمية» هو المساهم الأكبر في نجاح الحزب.

سجال سياسي
إلا أن الملف الاقتصادي والخدماتي ليس وحده مادة الحملات الانتخابية والنقاش المرافق، إذ ذهبت أطراف بعيداً في إقحام السجالات السياسية التي بلغت حدّ الجدل حول «الوجود» (أو فكرة «بقاء» تركيا وتهديدها). في هذا السياق، وجه مسؤولو «العدالة والتنمية» وحلفاؤه اتهامات لخصمهم، «تحالف الأمة»، بالتعاون مع «حزب الشعوب الديموقراطي» الكردي، الذي يصفونه بالجناح السياسي لـ«حزب العمال الكردستاني» المحظور. الجدير ذكره أن «الشعوب الديموقراطي»، الذي ينفي صلاته بـ«العمال الكردستاني»، قرّر عدم تقديم مرشحين في أكبر ست مقاطعات في تركيا، وهي: إسطنبول وأنقرة وإزمير وبورصة وأنطاليا وأضنة، وبدلاً من ذلك، سيقدم دعمه للمرشحين المعارضين لـ«تحالف الشعب» بقيادة إردوغان. ويعزو «تحالف الأمة» المعارض النقاش السياسي حول التهديدات التي تواجهها البلاد إلى جهد منظم لتحويل الانتباه بعيداً عن الاقتصاد الذي يعاني. وتقول زعيمة «الحزب الجيد»، ميرال أكشنار، في هذا الإطار: «هذا جزء من خطاب الحكومة الهادف إلى استقطاب مجتمعنا. تركيا ليس لديها أي مشكلة بقاء، إن مشاكل تركيا تتعلق بالاقتصاد والإنتاج والرفاهية».

الملف السوري
تبذل الأحزاب السياسية التركية جهوداً كبيرة لجذب الناخبين، من خلال إثارة قضايا جدلية خلال فترة الدعاية الانتخابية في الشوارع والساحات. وبينما تنوعت المسائل التي تناقشها الأحزاب، فإن الملف السوري حجز لنفسه مكاناً بارزاً في الدعاية الانتخابية، حيث توعدت مرشحة «الحزب الجيد» لبلدية الفاتح، إيلاي أقصوي، بأنها «لن تسمح بتسليم الفاتح للسوريين»، وقالت: «لن ندعهم يبيعون شبه الجزيرة القديمة (تقصد حي الفاتح التاريخي) للقطريين»! لكن الموضوع السوري لم يُذكر على لسان المعارضة فحسب، بل ذكره رئيس الوزراء السابق، بنعلي يلدريم، مرشح «تحالف الشعب» لبلدية إسطنبول الكبرى، حيث كتب على «تويتر»: «إذا كان هناك سوريون يؤثرون على استقرار إسطنبول أو يشكلون مشكلة أمنية أو يؤثرون على الحياة الطبيعية بشكل سلبي، فلن نترك ذلك بدون رد، لن نتسامح مع ذلك، وسنعيد هؤلاء، لأن الأصل الاستقرار لسكان إسطنبول».

إسطنبول مضمونة لإردوغان
وعلى الرغم من أن فوز المعارضة في العاصمة أنقرة، إن تحقق، سيكون من بعض النواحي بمثابة ضربة نفسية كبيرة لـ«العدالة والتنمية»، فإن إسطنبول، العاصمة الاقتصادية وأكبر مدينة تركية، هي المعركة الأهم وخصوصاً بالنسبة إلى إردوغان، حيث بدأ صعود نجمه عندما أصبح رئيساً لبلديتها في 1994. ويتمتع «العدالة والتنمية» بأغلبية أكبر في إسطنبول عن أنقرة. وفي الوقت نفسه، ستحتدم المنافسة في إزمير، ثالثة كبرى مدن تركيا، والمعقل التقليدي لـ«الشعب الجمهوري».