لندن | إذا كان ثمّة نجم أوحد لليلة الماراثونية الحافلة في ويستمنستر (مقر البرلمان البريطاني)، فلن يكون سوى جون بيركو، رئيس الجلسات الذي بدا الوحيد، من بين كل محترفي السياسة البريطانيين، القادر على إنقاذ البلاد والعباد من الأداء المتهوّر لرئيسة الوزراء، تيريزا ماي، وحزبها الحاكم (المحافظين) في ما يتعلق بمسألة إنهاء العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، بعدما بدا أن المعارضة التي يقودها «العمّال» غير قادرة لا على إسقاط الحكومة، ولا تمرير بديل عن مشروع الاتفاق الذي توصلت إليه الرئيسة مع بروكسل.

بيركو تمسّك بصلاحيته الدستورية لمنع إجراء تصويت ثالث على مشروع ماي (الذي كان قد تعرَّض لهزيمتين قياسيتين في الأسابيع القليلة الماضية) ما لم تُجرَ عليه تعديلات أساسية، وهو ما يعني تصعيداً نادراً مع الحكومة التي لم تعد تملك خيارات كثيرة إلا ربما استدعاء تدخّل الملكة إليزابيث نفسها. كما أن رئيس الجلسات، الذي نقل فعلياً مقود القيادة بشأن «بريكست» من رئيسة الوزراء إلى مجلس العموم بعدما كان التقليد دائماً للمجلس أن يلعب دور الكوابح لا أكثر، نظّم جلسة للتصويت على قائمة مختصرة تتضمن ثمانية خيارات يمكن التصويت على أيّ منها كبدائل من مشروع ماي، لكنها لم تحظَ بتأكيد غالبية كافية.
تراوحت تلك الخيارات بين إلغاء الخروج بالكامل، أو تنفيذ «بريكست مخفف» على النسق النرويجي، مروراً بمشروع «العمال»، وكذلك فكرة إجراء استفتاء شعبيّ ثانٍ. وقد جنّبت هذه النتيجة بيركو أخذ الأمور إلى منتهاها مع الحكومة، إذ ساد الاعتقاد بين المراقبين أنه لو نجح المجلس في تبني واحد من الخيارات الثمانية، فسيقود جلسة تقر اتجاهاً مختلفاً لـ«بريكست» بصفة قانون ملزم يوم الجمعة، إن لزم الأمر.
أما ماي، فاجتمعت بنواب حزبها المنقسمين مساء أمس، ووعدتهم بالاستقالة من منصبها وتصعيد قيادة جديدة للحزب الحاكم قبل الجولة المقبلة من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي (تموز/يوليو المقبل) إن نجحت في تمرير مشروع اتفاقها العتيد. ورغم أن بعض كبار الطامحين إلى خلافتها في حزبها وأشياعهم وعدوا مقابل ذلك بتغيير موقفهم الحالي المعارض للمشروع، فإن مقامرة رئيسة الوزراء لن تمرّ دون تحوّل نوعي في مزاجات نوّاب العموم، سواء في المعارضة: «العمّال» و«القومي الاسكتلندي» و«الخضر» و«الليبراليين الأحرار»، أو في تحالف السلطة: «الديموقراطيين الاتحاديين» الأيرلندي الشّمالي، لدعم اتفاقها، وهو أمر مستبعد. وفي الحقيقة، تعلم ماي قبل غيرها أنها وصلت إلى خط النهاية، وأن لا مستقبل لها في السياسة البريطانية، وكل الذي تريده هو توريط المملكة بتركة تاريخية باسمها ولو كانت ثقيلة الوطأة على الاقتصاد ومستقبل الأجيال.

لم يحظَ أي من الخيارات الثمانية بتأكيد غالبية كافية


المرشحون لخلافة ماي من داخل «المحافظين» كُثر، ومنهم أسماء معروفة مثل: وزير الخارجية السابق بوريس جونسون، ووزير الخارجية الحالي جيريمي هانت، ووزير «بريكست» السابق دومينيك راب، ووزير الصحة الحالي مات هانكوك، ووزير البيئة السابق مايكل غوف، ووزيرة العمل والمعاشات آمبر رود، وربما أيضاً وزير الداخلية الحالي ساجد جافيد رغم أن أصوله الآسيوية لن تخدمه كثيراً. وكل هؤلاء كانوا بطريقة ما أطرافاً في حرب الخلافة الداخلية منذ بعض الوقت، ولذلك سيستحيل نظريّاً حصول أي منهم على عدد الأصوات اللازمة لنيل الثقة في مجلس العموم، ما لم يحصل ضغط ما من مصادر عليا في الدولة العميقة، وعندئذ قد تكون الوزيرة رود الأقل استفزازاً للجميع، رغم أنها أعلنت أخيراً عزوفها عن الترشّح.
في موازاة أزمة «المحافظين»، استمر زعيم «العمّال» المعارض، جيريمي كوربن، في استراتيجيته الرمادية في ما يتعلّق بـ«بريكست»، وقد أبلغ نواب حزبه في «العموم» بأن أولويتهم إجراء انتخابات عامة مبكرة تمنح الفرصة لتشكيل حكومة جديدة تتولى إدارة هذا الملّف المعقّد. وإذا تعذّر ذلك، فإن التوجّه هو دعم كل خيار يمكن أن يساعد بريطانيا على تجنّب الشرّين معاً: انتهاء مهلة «بريكست» الأصليّة غداً (الجمعة) من دون اتفاق وهو أمر وصفه كوربن بالكارثي، أو قبول مشروع الاتفاق الذي توصلت إليه ماي مع بروكسل وهو يجعل تفتت المملكة المتحدة مسألة وقت لا أكثر بسبب عقدة الحدود بين شطري أيرلندا؛ وهذا يعني دعم التصويت لمصلحة استفتاء شعبي جديد إذا لم يوافق «العموم» على مشروع «العمّال» لـ«بريكست الملّطف» (يتضمن البقاء في عضوية السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الجمركي).
اسكتلنديّاً، بدا «القوميون الاسكتلنديون» (الحزب الحاكم في برلمان الإقليم الخاضع للندن) اليوم شديد الوضوح بشأن عزم الحزب على البقاء في عهدة الاتحاد إذا كانت نتيجة البهلوانيّات السياسية في لندن اتفاق ماي أو الخروج دون اتفاق، إذ تحدث نوّابه في البرلمان بشأن ذلك، ودعمتهم نيكولا ستيرجون، وهي الوزيرة الأولى في اسكتلندا من موقعها على «تويتر»، كما كرّر «الديمقراطيون الاتحاديون» (حلفاء ماي في السلطة) رفضهم صيغة اتفاق ماي بصيغته الحالية، لأنها ستجعل مسألة توحيد أيرلندا أقرب من أيّ وقت مضى.
فشل «العموم»، ومقامرة ماي، وضعف المعارضة عن الفعل، كل ذلك يجعل الأمور تتجه في لندن إلى مزيد من التعقيد خلال الساعات الـ48 المقبلة، كما يتأكّد كل يوم عجز الطبقة السياسية الحاكمة في البلاد، سلطة ومعارضة، عن التوصّل إلى حلول لقضية استراتيجية تمس المصالح الآنية والمستقبلية.