يتفاءل رئيس حزب «العمل» الإسرائيلي، آفي غباي، بالحديث عن إمكان توليه رئاسة الحكومة المقبلة، في إشارة منه إلى إمكان فوزه بالعدد الأكبر من مقاعد الكنيست. تفاؤلُ غباي زائدٌ وربما مفرط، إذ إن «العمل» الذي كان، يصعب أن يعود كما كان. «العمل» (هاعفودا) تأسس عام 1968 نتيجة اندماج حزب «مباي» التاريخي وحزبين عماليين آخرين هما «أحدوت هاعوفدا» و«رافي». لكن من ناحية عملية، «العمل» هو استمرار لـ«مباي»، الحزب العمالي الاشتراكي التاريخي الذي حكم إسرائيل طويلاً، وإن عبر تسميات مختلفة، بعد تأسيسه عام 1939. ومع أن «العمل» نفسه تغيرت أسماؤه بعد إعلانه، بما عرف بـ«المعراخ» وصولاً إلى «الاتحاد الصهيوني» أخيراً نتيجة اندماج أو تحالفات، فإنه عاد أخيراً إلى تسميته «العمل»، وهو الاسم الذي يخوض به الانتخابات المقبلة في التاسع من الشهر المقبل.

تراجعت مكانة «العمل» في العقدين الأخيرين، فلم يعد، خلافاً لسنوات ما قبل 2000، صاحب التأثير الأول في قرارات تل أبيب، بل تحوّل إلى ما يشبه حزباً هامشياً. يعود ذلك إلى أسباب، منها ما يرتبط بالمجتمع الإسرائيلي نفسه، وزيادة منسوب تشدده ويمينيته مع فشل عملية التسوية مع الفلسطينيين، وتلمس إمكان فرض الإملاءات، بل إنهاء القضية الفلسطينية عبر مزيد من التطرف، خاصة مع تقلص أهمية فلسطين لدى الأنظمة العربية، وتوجه معظمها إلى التطبيع والتحالف مع الاحتلال.
كذلك، كان لغياب الشخصيات صاحبة الكاريزما القيادية على رأس «العمل»، مثل دافيد بن غوريون وإسحاق رابين، دور في تراجع مكانته، فآخرُ قيادي ذي كاريزما هو رئيس الحكومة السابق إيهود باراك الذي ثبّت للإسرائيليين في عهده أن لا إمكان للتسوية مع الفلسطينيين، الأمر الذي جعل صفة اليسار التي اتّصف بها «العمل» تاريخياً لدى معظم الإسرائيليين مرادفاً للتنازل بلا طائل عن الأرض التي تعدّ من ناحيتهم «حقاً تاريخياً» لهم.
تحوّل اليسار وفقاً لذلك إلى وصمة تبعد القيادات ذات المكانة التي تنهي خدمتها في رئاسة أركان الجيش عن الانضمام إلى «العمل»، خوفاً من الوصمة المنفّرة لمعظم الجمهور. والعاملان مرتبطان بالنتيجة؛ فالشخصيات الرائدة تبتعد عن الحزب، فيما تتقلص مكانته لفقدانه هذه الشخصيات، سواء من جنرالات سابقين أو شخصيات سياسية مخضرمة. والمحصلة تحوّل «العمل» من حكم إسرائيل إلى حزب يسعى إلى الفوز بالمرتبة الثالثة أو الرابعة، وهي نتيجة تعدّ أقصى ما يمكن أن يصل إليه، إن وصل بالفعل، في الانتخابات المقبلة.
لكن «وصمة» اليسارية لـ«العمل» غير دقيقة، وإن كانت تتردد لدى الأحزاب اليمينية لإبعاد الناخبين عنه. ففي الواقع، هذا الحزب، وإن كانت أجندته اشتراكية تاريخياً، فإنه بات حزب يسار الوسط من دون أجندة واضحة حيال معظم القضايا التي كانت تُخاض الانتخابات حولها، وخاصة ما يرتبط بالقضية الفلسطينية، رغم أنها لم تكن في الانتخابات الحالية محل سجالات وبرامج بين أحزاب القوس السياسي في إسرائيل. وإحدى سمات التراجع هي رئيس الحزب الحالي، غباي، الخالي من أي رصيد أمني أو سياسي، بل للمفارقة، جاء من رحم «الليكود» لينتقل بين الأحزاب وصولاً إلى «العمل» ليترأسه بعد انضمامه إليه بأشهر معدودة. هكذا، يخوض «العمل» الانتخابات مستنداً فقط إلى إرثه التاريخي ومحاولة جذب ما أمكن من أصوات اليسار ويسار الوسط. أما الوصول إلى عشرة مقاعد، فيعدّ إنجازاً له، وإن كان مبنياً على إفقاد حزب «ميرتس» اليساري وغيره مقاعد في الكنيست المقبل.

«وصمة» اليسارية لـ«العمل» غير دقيقة، وهي لإبعاد الناخبين عنه


في غضون ذلك، تظهر استطلاعات الرأي نتائج متواضعة لـ«العمل»، بين سبعة وتسعة مقاعد، وفي أحسن حال عشرة، ليصطف في المكانة بنتيجتها، ومن ثم التأثير في القرار الإسرائيلي، إلى جانب الأحزاب الصغيرة، مع أمل وحيد في أن يفوز حزب «أزرق أبيض» بقيادة رئيس أركان الجيش السابق بيني غانتس، ومن ثم تأليف الحكومة المقبلة، إن استطاع ذلك فعلاً، وهو ما يضمن لـ«العمل» أن يكون في الائتلاف الحكومي المقبل، في حكومة وسطية يسارية قد تكون أيضاً مدعومة من أعضاء من الكنيست من فلسطينيي الـ 1948. أيضاً، الانتخابات التمهيدية لـ«العمل»، التي تُشكل اللائحة الانتخابية وفقاً لنتائجها، تغيب عن مراتبها العشر الأولى شخصيات عسكرية وسياسية مخضرمة، خاصة بعد طرد وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني، وإن كان وزير الأمن السابق عامير بيرتس يحتل مرتبة بين العشرة الأوائل، وهو صاحب صورة المنظار المغلق في حرب 2006 مع حزب الله.
في المحصلة، يبدو أن «العمل» الذي حكم إسرائيل طويلاً لما يقارب ثلاثين عاماً بعد إنشائها، في مسيره نحو الانهيار قياساً بمكانته السابقة في الحياة السياسية الإسرائيلية. فالحزب ينتقل من الريادة إلى التقلص، وربما لاحقاً إلى الانهيار، ما لم تحدث مفاجآت لا تبدو أنها منظورة.