ليس غريباً أن تلقى المبادرة الصينية بالدخول الاقتصادي إلى أوروبا دعماً رسمياً إيطالياً، فروما تأمل في زيادة صادرات المنتجات الإيطالية إلى السوق الصينية، إضافة إلى حرصها على تشديد الضوابط بشأن تقليد البضائع الإيطالية في الصين. يهدف الإيطاليون من مبادرة «الحزام والطريق» إلى جذب المزيد من الاستثمارات إلى اقتصادهم الذي يعاني الانكماش، فقد كان وزير الخارجية الإيطالي، إينزو موافيرو ميلانيزي، صريحاً بإعلانه أن بلاده «تحتاج إلى منافذ أوسع على السوق العالمية»، في إشارة إلى المبادرة الصينية، مضيفاً: «نسعى إلى إحداث توازن في الميزان التجاري مع الصين».

الرئيس الصيني، شي جين بينغ، استبق زيارته إلى إيطاليا (اليوم)، بمقالة كتبها أمس في صحيفة «كوريري ديلا سيرا» الإيطالية، بعنوان «الشرق يلتقي الغرب». المقالة حملت رسائل كثيرة للإيطاليين، وفيها خطاب من ثقافتهم. ولأن الزيارة تأخذ طابع «صناعة المستقبل» بين روما وبكين، كان شي واضحاً بعرض أهدافه وتقديم مشاريع مغرية. لذلك، يمكن تلخيص الهدف الرئيسي بعبارته: «نأمل في العمل مع إيطاليا لدفع التعاون في إطار (مبادرة) الحزام والطريق»؛ إنها الخطة الصينية الاقتصادية المتمثلة في دخول أوروبا من البوابة الإيطالية.
ضمن هذا التقارب، يُفهم تعاقد الصين مع المدرب الإيطالي مارتشيلو ليبي، الحاصل على كأس العالم عام 2006 مع منتخب بلاده، لتدريب المنتخب الصيني لكرة القدم، كما شمل التعاون مجالات أخرى إلى حد انتقال المطبخ الإيطالي بقوة إلى الصين، والعكس بالعكس. وفي مقالته أمس، أحب شي ممازحة الإيطاليين، حين قال إن «الشباب الصينيين يحبون البيتزا والتيراميسو (حلوى إيطالية)».
يُظهر كلام شي الاهتمام الصيني بالعلاقات مع القارة العجوز نظراً إلى الأهمية الجغرافية والاقتصادية، والفرص التي يفتحها نجاح «الحزام والطريق» على بلاده والاتحاد الأوروبي في ظل الحرب التجارية التي تشنّها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبينما تريد بكين تعزيز الترابط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، بتمويل بنى تحتية برية وبحرية تزيد كلفتها الإجمالية على ألف مليار دولار، فإنها تسعى إلى تأسيس شراكات مع الدول لإقامة موانئ وخطوط سكك حديدية ومحطات للطاقة. وقد اختصر اسم المبادرة الأهداف الصينية، فـ«الحزام» يشير إلى النقل البري وطرق التجارة، أما «الطريق»، فيشمل الربط بين الموانئ البحرية، فيما تعد مدينتا ترييستي وجنوة البحريتان منفذين محتملين للبضائع الصينية القادمة عبر قناة السويس.

لماذا روما؟
تحاول الصين الترويج لبضاعتها على أنها رخصية وفي الوقت نفسه ذات جودة عالية، من هنا صار لزاماً عليها الاستناد إلى شعار «صُنع في إيطاليا»، فالرئيس الصيني يرى في هذا الشعار ضماناً للجودة، بل يقول إن «الأزياء الإيطالية والأثاث الإيطالي يحظى بقبول كبير»، ولذلك يعمل الصينيون على تلميع صورة بضائعهم في عاصمة «الأصلي» في أوروبا، ومن ثمّ رفع حجم التبادل التجاري بينهم وبين روما، الذي بلغ العام الماضي 50 مليار دولار.

إيطاليا أول دولة من «مجموعة السبع» التي تشارك في المبادرة الصينية


وبما أن الدخول إلى أوروبا فيه صعوبة كبرى للبضائع الصينية، اختار شي الخاصرة الأضعف، أي إيطاليا، ولاسيما أن اقتصاد الأخيرة يعاني ويحتاج إلى تدفق الاستثمارات. يمكن بذلك استخدام مبدأ «فرق تسد» لاقتحام السوق الأوروبي، وروما هي بداية هذا الطريق الذي تعبده الزيارة، خصوصاً أنها أول زيارة لرئيس صيني إلى إيطاليا منذ 10 أعوام، ما يجعلها تعطي مفهوماً جديداً للعلاقات الثنائية. وفي ضوء أن الصين تتعامل مع أوروبا كشريحة البيتزا، فهي تستغل نقاط الضعف في بعض دول الاتحاد.

قلق أوروبي ــ أميركي
يتطلع شي إلى إحياء طريق الحرير القديم مع استغلال الموقع الجغرافي لإيطاليا من أجل التعاون والربط بين المبادرة وخطة روما المعنية بتطوير موانئها الشمالية وبرنامج «إنفست إيطاليا»، إذ يمكن أن يعملا معاً على بناء «طريق الحرير» في العصر الجديد في البحر والبر والجو. وبذلك، تصبح إيطاليا أول دولة من «مجموعة السبع» المشاركة في المبادرة الصينية التي تربك بروكسل وواشنطن، خاصة أنهما يرونها خطة لتوسيع نفوذ الصين على الصعيد الجيوسياسي، إن كان من الجانب المالي أو الاقتصادي أو حتى العسكري. هذا «الوصف» يتنافى مع التعريف الرئيسي الذي أطلقه الرئيس الصيني مع إطلاق المبادرة عام 2013 حينما وصفها بأنها «أداة لتحقيق المزيد من النمو الاقتصادي وتعزيز العلاقات التجارية مع العالم».
ومع ترقب انضمام روما إلى «طريق الحرير»، طغى جوّ من الجدل في أوروبا حول هذه الخطوة. وكانت المفوضية الأوروبية أول من عبّر عن قلقها، فمنذ الأسبوع الماضي قالت إن الاستثمارات الصينية «كثيراً ما تتجاهل الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والمالية، وقد تنجم عنها مستويات مرتفعة من الديون»، في إشارة إلى «دبلوماسية الديون»، وهي الاتهام الأساسي لمعارضي المبادرة. هذا القلق الأوروبي امتد إلى الولايات المتحدة، حيث عبّر المتحدث باسم «مجلس الأمن القومي» غاريت ماركيز، بالقول: «الموافقة على المبادرة تعطي شرعية لنهج الصين الشره في مجال الاستثمار، ولن تجلب نفعاً لإيطاليا».
وسط هذا الجو المشحون، جدّد رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، تأكيد أن بلاده ستستفيد بصورة كبيرة من مشروع البنى التحتية الصيني، قائلاً: «هذه المبادرة شرعية ومبرَّرة في ضوء مصلحتنا الوطنية.... الاتفاق سيكون اقتصادياً وتجارياً تماماً، وليس له أي تداعيات بالنسبة إلى السياسة الخارجية». وللتخفيف من حدة قراءة هذه الخطوة، قال كونتي إن «المطروح على الطاولة هي مذكرة تفاهم، وليست اتفاقية دولية ملزمة»، مشيراً إلى أن روما ستتمكن من «تعزيز صادراتها تجاه سوق أوسع».
أما على صعيد الداخل، فحاول كونتي تجاهل مخاوف المعارضة، بالقول إن مذكرة التفاهم «لا تعرقل علاقاتنا مع واشنطن وبروكسل بأي حال»، بعدما أثارت المذكرة المرتقب توقيعها مخاوف لدى أحزاب المعارضة الإيطالية، من أن الصفقة قد تسمح لبكين بتقويض الصناعات الإيطالية. وبدا أن حزب «الرابطة»، الشريك في الائتلاف الحاكم، يعيد التفكير في التقارب مع الصين، إذ قال زعيم الحزب، ماتيو سالفيني، «ليس لدينا أحكام مسبقة، ولكننا في منتهى الحذر». وأضاف سالفيني في مقابلة الثلاثاء الماضي: «لا نريد أن نصبح مستعمرة صينية». لكنّ الشريك الآخر في الائتلاف الحاكم، حزب «حركة خمس نجوم»، أعرب عن مخاوف وهواجس أقل، فيما حاول وزير الاقتصاد، وجيوفاني تريا، التقليل من شأن الجدل حول مذكرة التفاهم، واصفاً إياه بأنه مجرد «زوبعة في فنجان».
وإذا تم التصديق على المبادرة، تكون إيطاليا قد انضمت إلى عشرات الدول المؤيدة لـ«الحزام والطريق»، علماً أن من بينها 13 عضواً في الاتحاد الأوروبي من وسط القارة. وعلى طرف مقابل، تكون الصين تزاحم نظراءها في الأسواق العالمية عبر توسيع النفوذ وزيادة التأثير، ما يجعلها الصين لاعباً أساسياً في وجه الولايات المتحدة داخل أوروبا في الشأن السياسي والاقتصادي وحتى العسكري، عبر الاقتراب من مقر «حلف شمال الأطلسي».