بثقةٍ استثنائية، دخل جون بولتون لإجراء مقابلة العمل الأولى مع دونالد ترامب. مرّ شهر على تولّي الرئيس الجديد مهماته، إلّا أن فضائح مايكل فلين، مستشاره للأمن القومي، بدأت تكبر ككرة الثلج، حتى صار التخلّص منه حاجة ملحّة. والحاجة تقتضي وجود شخصية تصغي إلى الرئيس بودّ. ويُفضَّل أن تقتصر إجابات المُتقدِّم للوظيفة على: «نعم سيدي» و«لا سيدي». كانت إجابات بولتون جيدة ومقتضبة، لكن لعنة شاربَيه، كما يذكر بوب وودوارد في كتابه «خوف: ترامب في البيت الأبيض»، حالت دون انضمامه إلى فريقه في حينه. وقع الخيار في شباط 2017 على الجنرال هربرت ماكماستر، ذلك أن مستشار الرئيس وصهره، جاريد كوشنر، حسَم النقاش، محاججاً بأن الإعلام يحبّ الجنرال «المثقف» و«بطل الحرب».

منذ يومه الأول في البيت الأبيض، مثّل الإعلام مصدر قلق حقيقي لترامب. على الأقلّ، هذا ما كان يردّده كبير استراتيجيي البيت الأبيض، ستيفن بانون. بدَا أن كل شيء يمرّ عبر مقولة: «هل هذا مناسب لذاك الدور؟». فيلمٌ لا ينتهي، وشخصيات كثيرة تتبدّل. مع الوقت، سيصبح بولتون مناسباً لأداء هذا الدور، بعد استبعاد ماكماستر. وسيُعيَّن واحد من أكثر المفكّرين عدوانية في العالم، لناحية السياسة الخارجية لأميركا، في منصب مستشار الأمن القومي (نيسان/ أبريل 2018).
يمتلك أمثال بولتون وبومبيو (وزير الخارجية) «التقنية السياسية اللازمة لاختراق الطبقات البيروقراطية في واشنطن»، والتعبير للمحلّلة في «ستراتفور» ريفا غوجون. وتُعدّ العلاقة بينهما المفتاح الرئيس لفهم فريق الإدارة هذا؛ إذ تصفهما صحيفة «بوليتيكو» بـ«عصبة الموالين» لترامب، و«كابينيت الحرب»، لكن «التمحيص في خلفيتهما ورؤيتهما للعالم وطموحاتهما، يوحي بأنهما قد يكونان في طريقهما إلى المنافسة». وإذا أضفنا إليهما المبعوث الأميركي الخاص إلى فنزويلا، إليوت أبرامز، صديق بولتون المعروف بـ«مساعد الوزير للحروب القذرة»، يصبح هؤلاء «محور الشر» الخاص بالرئيس، كما بات يُطلق عليهم في واشنطن.

يرى بولتون العالم مكاناً وحشياً وعدائياً، حيث السياسة لعبةٌ محصّلتها صفر


«الوسيلة الأفضل لإظهار القوة الأميركية، ممارستها بشكل عملي». عبّر بولتون عن نظريته تلك في مقالتين كتبهما العام الماضي. الأولى، كُتبت على شكل مذكّرة للرئيس، ونُشرت في مجلة «ناشونال ريفيو» اليمينية المحافظة، بعنوان «كيفية الخروج من الاتفاق النووي الإيراني»، الذي وصفه بـ«أسوأ فعل استرضاء في التاريخ الأميركي». شكّلت مذكّرته رداً مباشراً على شكوى ترامب الدائمة لناحية عدم وجود مؤيدين ضمن فريقه لإلغاء الاتفاق. أما المقالة الثانية، فنُشرت في صحيفة «وول ستريت جورنال» (شباط/ فبراير 2018) بعنوان «القضية القانونية لضرب كوريا الشمالية»، وعبّر فيها بولتون عن موقفه بوضوح، قائلاً: «إنه لمِنَ المشروع تماماً أن تردّ الولايات المتحدة على التهديد» الذي تمثّله بيونغ يانغ «من خلال أن تكون البادئة بتوجيه ضربة». منطقه هذا بدا أكثر دلالة على نظرته للعالم. مُحامياً مُتدرباً، ركّز بولتون على القانون والقضية القانونية، غافلاً الاستراتيجيات. فهو لم يأتِ على ذكر «ماذا بعد الانسحاب من الاتفاق النووي أو ضرب كوريا؟». يرى مستشار الأمن القومي، العالم، من منظور معاركه مع التعددية و«الليبراليين» في مجال القانون الدولي. فهو لخّص مقاربته الأساسية للدبلوماسية في عنوان كتابه: «الاستسلام ليس خياراً». حاله حال الرئيس، يزدري بولتون المؤسسات المتعددة الأطراف، ويرى أن الدبلوماسية وسيلة لإضاعة الوقت، وليست لحل المشاكل، في حين أن «موهبته» الأبرز تبقى في حماسته لتغيير أنظمة الدول كطريقة لمعالجة معضلات السياسة الخارجية لواشنطن، من كوريا وإيران، وصولاً إلى فنزويلا، وقبلها العراق وليبيا.

ترويكا الطغيان
كان انتخاب جايير بولسنارو رئيساً للبرازيل، «علامة إيجابية تُظهر التزاماً إقليمياً متزايداً بمبادئ السوق الحرة». أشاد بولتون بحليفٍ جديد ضدّ ما سمّاه «ترويكا الطغيان»: كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا. وكما فعلت إدارة ترامب في الشرق الأوسط، فقد رسم المستشار خطاً واضحاً بين الأصدقاء والأعداء في الجنوب. وحين أعلن خوان غوايدو نفسه رئيساً لفنزويلا بالوكالة، كان ترامب أول من اعترف به، قائلاً إن بلاده ستستخدم كامل قوتها الدبلوماسية والاقتصادية للضغط من أجل «استعادة الديموقراطية في فنزويلا». غير أن بولتون كان أكثر وضوحاً عندما شرح، باختصار، أن الأمر يتعلّق بالنفط، وما يمكن أن يجلبه للولايات المتحدة. وقال لـ«فوكس بزنس» إن الإدارة تخوض محادثات مع شركات النفط الأميركية الكبرى العاملة في فنزويلا، أو الفنزويلية المالكة لحصص في السوق الأميركية كشركة «Citgo» (شركة ضخّ وقود أميركية تمتلك الحكومة الفنزويلية الحصة الأكبر فيها).
على الرغم من تصويره المشابه في وسائل الإعلام التي يُطلق عليها صفة «الليبرالية»، لم يكن بولتون جزءاً من نخبة المحافظين الجدد، المندمجة بعمق في مؤسسة الحزب الجمهوري. فهو يتناسب مع أجندة «أميركا أولاً» مثلما كان مناسباً لبرنامج عمل المحافظين أيام جورج دبليو بوش.
كما ترامب، يرى بولتون العالم مكاناً وحشياً وعدائياً، حيث السياسة لعبةٌ محصّلتها صفر. في وصفها له، تقول صحيفة «غارديان» البريطانية: «يبدو بولتون كمَن علِق في مستنقعٍ أحادي القطب من صنع أفكاره، كلَّما صَرخ بصوتٍ أعلى، غرق أكثر». تغير العالم كثيراً منذ عام 2003 (غزو العراق)، لكن بولتون لم يتغير. سيبقى الخيار الأسوأ في منصب كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون الأمن العالمي، وسيمثل، على الأغلب، عبئاً ثقيلاً في مساعي ترامب للحصول على ولاية ثانية في انتخابات 2020.