لم تتمكن الحرب الإعلامية والاقتصادية من كسر إرادة النظام البوليفاري. فالانقلاب الذي بدأ يوم 23 كانون الثاني/ يناير انتهت صلاحيته في 23 شباط/ فبراير، ولا يزال نيكولاس مادورو يحكم فنزويلا، ولم يحصل زعيم المعارضة الليبرالية، خوان غوايدو، على أكثر مما حصل عليه من اعترافات باهتة، ولم يتمكّن حصان طروادة من تخطي سيادة الأراضي الفنزويلية، وتوزيع المساعدات الإنسانية، التي قام مرسلوها في ما بعد بإحراقها واتهام نظام مادورو، لتأليب الرأي العام المحلي والدولي عليه. لكن الضغوطات والتهديدات المتواصلة فشلت في تطويع إرادة القوات المسلّحة البوليفارية، فكان دعمها للرئيس مادورو أحد أهم الأسباب التي أفشلت الانقلاب.

قال الزعيم البلشفي لينين: «هناك بروليتاريون متمرّسون إلى حد أنّ في وسعهم احتمال قدر من التضحيات يزيد ألف مرة على ما يستطيع احتماله أي جيش كان، وهناك عشرات الملايين من الفلاحين المظلومين، الجهلة، المشتتين، ولكنهم قادرون على الالتفاف حول البروليتاريا في النضال إذا ما اتبعت تكتيكاً حاذقاً»، هذا ما قاله الزعيم البلشفي لينين، وأكّده الواقع في فنزويلا. فما دعائم السلطة التي مكّنت فنزويلا من كسب معركتها في مواجهة الإمبريالية؟ وما مواطن القوّة الداخلية التي عطّلت مفاعيل الدعم شبه الدولي للانقلاب؟

مادورو والحصانة الشعبية
لا يزال هوغو تشافيز حاضراً في وجدان الفنزويليين، رغم مرور ست سنوات على رحيله، ولا يزال الفنزويليون يبكون زعيمهم بحرقة ويطبّقون وصاياه ويحافظون على إرثه، وهو الذي اختار نيكولاس مادورو لقيادة البلاد. تكمن قوّة مادورو في تجاربه المتراكمة من نضالاته فترة الشباب وفي العمل كقائد نقابي، وفي الخبرات التي اكتسبها من سنواته العديدة التي أمضاها بجانب القائد هوغو تشافيز في مواقع المسؤولية المختلفة. قوةٌ ساندتها قناعاته الراسخة باستحالة التوافق بين الشعب الكادح والطبقة البرجوازية في البلاد، وفي ثقته والتزامه مصالح الفئات الشعبية، يدعمه في مسيرته فريق قيّم كان قد شكّله الراحل الكبير هوغو تشافيز.
المعركة في مواجهة احتكارات النفط وقناعته بعدم وجود مخرج من المأساة الإنسانية التي تعيشها البلاد في ظلّ الرأسمالية القمعية واستعداده لخوض الحروب في سبيل حماية مكتسبات الثورة التي بدأها هوغو تشافيز، منحت نظام مادورو الحصانة الشعبية، والمناعة الكافية ضد أي تدخّل خارجي، تحت شعار «معاً نعيش ومعاً نموت!».

تراجع السطوة الإمبريالية
تفتقر الإمبريالية إلى التأثير الذي كانت تتمتع به طوال القرن العشرين. فعلى الرغم من الموارد الهائلة التي تمنحها الولايات المتحدة الأميركية لليمين، لم تفلح محاولاته القانونية وغير القانونية في الانقلاب على السلطة. ففشلت محاولة الانقلاب على تشافيز وتكرّرت الهزيمة في الانقلاب الأخير على حكومة نيكولاس مادورو.
ورغم أن واشنطن تبدي رغبتها في العودة إلى «فنائها الخلفي»، فإنها لم تعد قادرة على التدخل العسكري والسياسي أو فرض إرادتها ميكانيكياً على الحكومات المتحالفة معها، كذلك فإنّ إنشاء منظمات تكامل إقليمي، مثل «CELAC» و«UNASUR» و«MERCOSUR» و«ALBA» وغيرها، أدّى إلى إضعاف دور الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. وترى واشنطن أن الصين وروسيا تؤديان دوراً فاعلاً من خلال الإقراض الضخم والاقتراض وتطوير البنى التحتية وتطوير التنمية الاجتماعية، ليس فقط في التجارة والاقتصاد ولكن أيضاً في التكنولوجيا واستكشاف الفضاء. وأبدت استياءها من هذا التعاون النشط مع الدول غير الإمبريالية، مثل روسيا وإيران وبيلاروسيا والصين، والذي أضعف قدرتها على التدخل وهدّد حضورها الجيوسياسي في أميركا اللاتينية.

تنامي الوعي الثوري
منذ عام 1998، تطوّر أداء الفريق الذي درّبه تشافيز، ويعمل حالياً بقيادة مادورو، ليكتسب الخبرة السياسية والاجتماعية والتنظيمية الكافية لمواجهة كل المخاطر التي تهدّد السيادة الوطنية. كذلك فإنّ الذاكرة الحية للفنزويليين لم تنس بعد أهوال البؤس والقمع التي حدثت في العقود السابقة على يد الحكومات التابعة للولايات المتَّحدة والانتفاضات التي وقعت في نيسان/ أبريل 2002 والإضراب النفطي عام 2003 واغتيالات الفلاحين. كل تلك المآسي حفرت عميقاً في الوجدان الشعبي، وشكّلت الوعي المُناهض للإمبريالية.
يبرز دور الوعي السياسي لدى الطبقة العاملة الصناعية، في السعي الدؤوب لتطوير صناعة البترول والبتروكيماويات، والصناعات التحويلية، كنوع من أنواع المناعة الوطنية ضد محاولات اليمين الاستيلاء على السلطة. لقد تمكّن الخطاب البوليفاري من إحياء الوعي الوطني الذي دخل في سبات عميق طوال القرن العشرين، وقد تمثّل هذا الوعي في طاقم العمل والمستشارين الذين يحيطون بالرئيس مادورو، بمن فيهم وزراء حاليون وسابقون مثل الاقتصادي الشيوعي والزعيم الجماهيري خيسوس فاريا، نجل أحد أهم قادة الحزب الشيوعي وزعيمه العمالي، المهندس المتدرب في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية كارلوس فاريا، الذي كان مديراً للصناعات العامة، القائد كاسترو سوتيلدو الخبير في مجال الزراعة، السياسي المخضرم أريستوبولو إستريز، وزير التعليم رودولفو بيريز الذي نهض بالتعليم الفنزويلي، والجنرال بادرينو لوبيز. لكن الدور الأبرز كان لرجل المهمّات الصعبة، نائب الرئيس، ديوسدادو كابييو، الذي تصدّرت صورته المشهد السياسي أثناء الانقلاب، فظهر متماسكاً قوياً واثقاً، وأكّد ولاء القوات المسلّحة الفنزويلية لرئيس البلاد الشرعي نيكولاس مادورو، فأسهم في تماسك الجيش والحؤول دون انجرافه في مستنقع الإمبريالية. كذلك كانت له اليد الطولى في إنشاء الحزب البوليفاري الموحد الذي جمع تحت لوائه الأحزاب اليسارية في البلاد، وشكّل دعامة سياسية كبيرة للسيادة الوطنية.

شخصية غوايدو المهزوزة
يعلم الفنزويليون أن خوان غويدو نتاج نخبة من المدرّبين المختصين بتغيير الأنظمة ومقرهم واشنطن. قبل الانقلاب، لم يسمع بخوان غوايدو سوى قلّة من الفنزويليين تعرفوا إليه من خلال ارتباطه سياسياً بمجموعة يمينية متطرفة سياسياً، مهمتها القيام بأعمال مروعة وامتهان العنف في الشوارع. يفتقر غوايدو إلى الكاريزما اللازمة للتأثير واستمالة الشعب الفنزويلي. فالشاب البالغ فقط 35 عاماً لم يتمكن حتّى من شدّ انتباه رفاقه في الحزب الذي ينتمي إليه، فكان غوايدو شخصية غير ذات أهمية.
لقّبه الفنزويليون بـ«الدمية»، لأنه، بأمر من واشنطن، قفز على المسرح الدولي كزعيم ونصّب نفسه رئيساً للبلاد. «غوايدو شخصية ظرفية، خلقت لهدف محدّد، تتأرجح بين المضحكة والقلقة»، على حد تعبير ماركو تيروجي، المتخصص في علم الاجتماع الأرجنتيني والمرشد الرائد في الشؤون الفنزويلية.

الفشل في فهم معنى التشافيزيّة (Chavismo)
أصرّ اليمينيون على أن التشافيزية تتمثّل فقط بنيكولاس مادورو المحصّن في قصر ميرافلوريس، يحيط به سياسيون وعسكريون فاسدون. وبالغوا في تقدير قوتهم والتقليل من قوة الحشد الشعبي التشافيزي، فكانت النتيجة سلسلة من الهزائم السياسية التي مهدت الطريق للمشهد الحالي.
إن حقيقة التشافيزية مختلفة تماماً، ولم ينتهِ مفعولها بعد. وقد تجلى ذلك في المسيرات الشعبية دفاعاً عن مادورو في 23 كانون الثاني/ يناير، التي تجاهلتها تماماً وسائل الإعلام اليمينية. ما بين 37 و 41٪ من الفنزويليين يعرّفون عن أنفسهم بكونهم «تشافيستاس»، وفقاً لاستطلاعات الرأي التي أجراها مرصد يديره عالم الاجتماع الفنزويلي أوسكال شيميل. وهناك بالطبع قسم ممّن انجروا للزعم الأميركي بضرورة إطاحة مادورو لكي تستقيم الأمور، نظراً إلى الصعوبات الاقتصادية العميقة. ومع ذلك، فإن الكثير منهم على استعداد لإغلاق أبوابهم بوجه المغريات الإمبريالية المتمثّلة بالانقلاب الذي وجّهته الولايات المتحدة.
يمتد تأثير التشافيزية عبر الأحياء الشعبية والمناطق الريفية، بما فيها المجالس البلدية والمجتمعات المحلية وأسواقها المجتمعية ومجالس الفلاحين والمؤسسات الإنتاجية. البعد الإقليمي للتشافيزية يفتقر إليه اليمين الذي يحاول التعويض عن عدم وجود منظم له في هذه المناطق، باستخدام جماعات مسلّحة مقابل توظيفهم لإحداث تركيز على أمل كسب تأييد شعبي.