بدا من الواضح، خلال اليومين الماضيين، أن مذبحة المسجدين التي أودت بحياة 51 شخصاً، وفق حصيلة جديدة، تركت أثراً عميقاً في النيوزيلنديين، عموماً، وهو ما تبدّى في التقارير الإعلامية التي ركّزت على السعي إلى استيعاب الصدمة، في وقت عمدت فيه رئيسة الوزراء إلى امتصاص الغضب، عبر زيارة عائلات الضحايا. وربّما جاء المثول السريع لمنفّذ الهجوم، الأسترالي برينتون تارانت، أمام المحكمة، ليخدم الهدف ذاته.

في الوقت الذي لا تزال فيه مجزرة المسجدين في نيوزيلندا تتفاعل، وتتكشّف في شأنها حقائق متتالية، مثل منفّذ الهجوم الذي أودى بحياة 51 مصلياً (وفق حصيلة جديدة)، يوم الجمعة الماضي، الأسترالي برينتون تارانت (28 عاماً) أمام المحكمة الجزائية في كرايستشيرش، مكبّل اليدين ومرتدياً ملابس السجن البيضاء، في ما يمكن أن يعدّ مؤشراً على السعي الرسمي إلى التخفيف من حدّة الاحتقان الذي ظهر، خلال اليومين الماضيين، بين مختلف النيوزيلنديين. ومن المقرّر أن يمثل ثانية أمام المحكمة في الخامس من نيسان/ أبريل المقبل.
رئيسة الوزراء، جاسيندا أرديرن، عملت من جهتها على امتصاص الغضب، عبر تعزية أقارب ضحايا الحادث الإرهابي، الذي مثّل واحداً من أفظع هجمات اليمين المتطرّف في السنوات الأخيرة. وأكدت أرديرن أن تارانت سيحاكم في نيوزيلندا، ولن يتم تسليمه لبلده. كذلك، تعهّدت بتحمّل كلفة دفن الضحايا، وتوفير الدعم المالي لأسرهم، بغض النظر عن وضعهم القانوني كمهاجرين. أرديرن أعلنت، أيضاً، أنها ستراجع قوانين حيازة السلاح، مشدّدة على أن «هذه القوانين يجب أن تتغيّر، وسنبحث القوانين الجدية لحيازة السلاح».

تعهّدت رئيسة الوزراء بتحمّل كلفة دفن الضحايا وتوفير الدعم المالي لأسرهم


تجاوب أرديرن السريع مع الجريمة، وإصرارها على تقديم العزاء بنفسها، كان لهما أثرهما في تخفيف حالة الاحتقان التي تصدرت المشهد، خصوصاً بعد التصريحات التي أدلى بها السيناتور الأسترالي، فريزر أنينغ، الذي اتهم المسلمين بأنهم «سبب التطرف الأول»، محمّلاً الضحايا المسؤولية غير المباشرة عما حدث. وقد أثارت هذه التصريحات موجة من الغضب، دفعت رئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون، إلى الرد بنفسه، قائلاً إن «إلقاء اللوم في ما شهدته نيوزيلندا اليوم على الهجرة، أمر مقزّز». من جهتها، وصفت أرديرن هذا الموقف بأنه «قمة العار».
من جهة أخرى، اعترفت رئيسة الوزراء بأن مكتبها تلقّى يوم الحادث «بياناً» من المسلّح، قبل دقائق من حصول الاعتداء. وأوضحت للصحافيين أن البيان «لم يتضمن أيّ موقع أو تفاصيل محددة»، مضيفة أنه جرى إرساله إلى أجهزة الأمن خلال دقيقتين من تسلّمه. وأضافت أرديرن أنها قرأت «عناصر من البيان» الواقع في 74 صفحة، والذي برّر فيه مُطلق النار أسباب المجزرة التي ارتكبها، معتبرة أن «وجود بيان أيديولوجي لوجهات النظر المتطرفة هو بالطبع أمر مقلق للغاية».
في موازاة ذلك، تفاعل المواطنون النيوزيلنديون مع دعوات التضامن العابرة للديانات، إذ ارتفعت التبرعات لذوي الضحايا إلى 6.22 ملايين دولار. وذكرت صحيفة «نيوزيلند هيرالد»، على موقعها الإلكتروني، أنه جرى جمع أكثر من 6.22 ملايين دولار، حتى مساء الأحد (أمس). كذلك، تقاطر سكان كرايستشيرش إلى مقرَّي المسجدين لوضع الزهور تكريماً للضحايا.
جاء ذلك فيما شهدت مدن عديدة حول العالم تظاهرات منددة بمجزرة المسجدين، من بينها الرباط، وبيت لحم، ورام الله، وإسطنبول، وأثينا، وبرلين، وروتردام الهولندية، واستوكهولم، ولندن، وفيينا، والهند، وباكستان، وإندونيسيا، ونيويورك.