لندن | السياسة في بريطانيا هذه الأيام تشبه الـ«سيرك» وقد دبّت فيه الفوضى. فقد كرّرت غالبية من النواب في ويسمنستر (مقرّ مجلس العموم البريطاني) رفضها مشروع الاتفاق الذي توصلت إليه رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، مع الاتحاد الأوروبي بشأن آلية تنفيذ «بريكست»، رغم تعديلات شكلية لم تقنع أحداً، بمن فيهم المستشار القانوني للحكومة والمدعي العام للدولة السير جيوفري كوكس، الذي وصف الإطار القانوني المترتب على تنفيذ مشروع الاتفاق بأنه «بقي كما هو حتى بعد التعديلات»، بمعنى أن المملكة المتحدة قد لا تجد وسيلة للتنصل من نقطة الحدود الخلفية الرمزية بينها وبين الإقليم الشمالي من إيرلندا الخاضع لحكمها.

ومع أن التصويت هذه المرة لم يصل إلى النتيجة المذلّة القياسية التي تعرّضت لها ماي لدى عرضها مشروع الاتفاق لأول مرة، إلا أن النتيجة واحدة: لا أحد يريد اتفاقها، سواء من مؤيدي «بريكست» أو من معارضيه، بل عكَس توزّع الأصوات انقساماً صريحاً في حزب «المحافظين» الحاكم لا يسهل جسره. ماي لم تلبث أن تلقت هزيمة ثانية في اليوم التالي عندما عبّرت غالبية المجلس عن رفضها مبدأ الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، وهو الأمر الذي طالما هددت النواب بحصوله يوم 29 آذار/ مارس الجاري ــــ ولأكثر من ثمانين مرّة سابقة ــــ إن هم لم يمرّروا مشروعها العتيد.
ولعلّ ما يمنع النواب من الوصول إلى توافق، استمرار عقدة الحدود الإيرلندية الشمالية مع إيرلندا الأمّ، فيما لم تنجح رحلة ماي الخاطفة إلى ستراسبوغ للحصول على تعديلات قانونية وصفتها بـ«المُلزمة»، في حلحلة تلك العقدة. إذ إن الترتيب الذي توافقت عليه مع الاتحاد يمثل، فعلياً، فصل إيرلندا الشمالية عن بريطانيا من الناحية الجمركية، وهو ما قد يفتح باب توحيد الإيرلنديتين، وتصفية الوجود الاستعماري البريطاني في الجزيرة المستمر منذ مئات السنين، كما يثير شهية الاستقلاليين في اسكتلندا وجبل طارق وحتى ويلز، الذين صوّتت غالبيتهم الحاسمة لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي في استفتاء 23 حزيران/ يونيو 2016.
وقد رفضت غالبية من النواب لاحقاً فكرة إجراء استفتاء شعبي آخر على الـ«بريكست»، فيما دعت غالبية أخرى رئيسة الوزراء إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي بتأجيل خروج بريطانيا بالنظر إلى ضيق الوقت. لكن ذلك يفتح على لندن بوابة أوجاع جديدة، إذ إن أي تأجيل يتجاوز الشهرين قد يتضمن إلزام المملكة بإجراء انتخابات للبرلمان الأوروبي على أراضيها في أيار/ مايو الجاري، وهو أمر لا معنى له إذا أصرّ البريطانيون على تنفيذ «بريكست» بعد التأجيل.

قد يكون المخرج المنطقي من هذه الفوضى هو استقالة ماي


المزاج على البرّ الأوروبي كان متعكراً، وهو ما تجلّى في امتناع كبار القادة الأوروبيين عن التعليق بشأن «سيرك لندن» ولو حتى على موقع «تويتر». فالذي يجري يعني بالضرورة إلقاء الكرة في ملعب بروكسل، كي تقبل التأجيل من عدمه، أو حتى تقديم مزيد من التنازلات لمصلحة لندن. وبما أن أمر تقديم التنازلات أصبح بحكم المستحيل خوفاً من غضب الدول الأوروبية التي تملك ميلاً إلى تعليق عضويتها في الاتحاد ــــ مثل إيطاليا أو بولندا، فضلاً عن نسبة متصاعدة من الشعب الفرنسي ــــ فإن احتمال قبول التأجيل يبدو قائماً، إذ عبرت بروكسل على لسان رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، عن توجهٍ للموافقة على تأجيل طويل المدى يسمح للمملكة المتحدة بإجراء مراجعة كلية بشأن «بريكست»، إذا كانت تلك غايتها.
مع ذلك، لا شيء مضموناً على هذه الجبهة من أزمة «بريكست»، ولا سيما أن فرنسا وإسبانيا وهولندا تدفع باتجاه التصلّب في مواجهة التردّد البريطاني؛ ذلك أن الشعوب في هذه الدول تعيش مرحلة فقدان توازن، في حين قد يساعد سيرك «بريكست» في تأجيج مشاعر القوميات اليمينية الملتهبة أصلاً. كذلك، فإن عدم الوضوح يضغط على أعصاب مصالح الأعمال الأوروبية، فيما يعيش حوالى ثلاثة ملايين أوروبي في المملكة ولا يعرفون تماماً إلى ماذا سينتهي مصيرهم من الناحية القانونية بعد 29 آذار/ مارس. ومما يزيد من غموض الموقف، أن نظام التصويت الأوروبي يسمح وبشكل متساوٍ لأي دولة من دوله الـ27 ــــ غير بريطانيا ــــ برفض التأجيل، وبالتالي ربما لن يسهل التوافق على موقف واحد قبل لقاء القادة المقبل في 20 آذار/ مارس الجاري.
قد يكون المخرج المنطقي الوحيد من كل هذه الفوضى هو استقالة ماي ومحاولة تأليف حكومة جديدة، سواء بقيادة جديدة لـ«المحافظين»، أو عبر تحالف وطني عابر للأحزاب، أو حتى من خلال الدعوة الى انتخابات عامة مبكرة قد تغيّر من ديناميكيات العمل في مجلس العموم، وتسمح برسم صيغة جديدة في شأن إدارة ملف «بريكست» المعقّد. لكن هذا المخرج مسدود بكتلة كوابيس في ذهن النخبة البريطانية الحاكمة، خوفاً من احتمال تسلّم حكومة ذات أهواء يسارية مقاليد السلطة في البلاد، قد يقودها زعيم حزب «العمّال» المعارض جيريمي كوربن.
كوربن الذي يريد تنفيذ نسخة ملطّفة من «بريكست» تسمح لبريطانيا بالبقاء في السوق الأوروبية المشتركة واتحادها الجمركي، لا يبدو قادراً على عمل شيء من دون انتخابات عامة جديدة يكسبها حزبه، وخصوصاً في مواجهة مصالح أقلية رأس المال التي تريد ارتباطاً أكبر بالولايات المتحدة بدلاً من أوروبا، واستقلالاً بريطانياً عن بروكسل في ما يتعلّق بالسياسات المالية تحديداً.
بينما يقترب استحقاق 29 آذار/ مارس، يستمر نزف الاستثمارات والشركات التي تنتقل من بنوك لندن وعقاراتها إلى أوروبا، بسبب سوء إدارة الـ«بريكست». وقد تحدث صحافيون عن أكثر من تريليون جنيه إنكليزي حُوِّلت بالفعل خارج البلاد نحو عواصم أوروبية مختلفة، خلال الفترة القليلة الماضية. وإذا كان الأثرياء قادرين على الانتقال سريعاً بين العواصم بحثاً عن أجواء أكثر استقراراً، فإن الطبقة العاملة البريطانية تبقى الخاسر الحقيقي الوحيد من كل ما يجري، سواء مع «بريكست» أو من دونه، وهي التي لا تكاد تمتلك قوت غدها، فيما ستدفع أجيال عدة منها ثمن بهلوانيات طبقتها الحاكمة في لحظة الـ«بريكست» التي اخترعها لهم رئيس الوزراء السابق، ديفيد كاميرون. هذا الأخير كان يريدها تكتيكاً سياسياً انتخابياً محضاً في مواجهة صعود اليمين، إلا أن المسألة تحوّلت على يديه إلى أسوأ أزمة سياسية ودستورية واقتصادية تعيشها البلاد منذ العصور الوسطى. وبينما مضى هو لممارسة هواياته الشخصية، ملقياً كرة النار في حضن خليفته تيريزا ماي، تعيش الأخيرة في فقاعة منعزلة عن شعبها، متشبثة بكرسيّ السلطة، حتى لو كانت التكلفة خسارة نصف أراضي المملكة وإفقاراً متزايداً لثلثي الشعب.