على بعد 16 يوماً من الموعد المحدد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، ازداد المشهد في لندن تعقيداً. إذ لم يبقَ أمام المملكة المتحدة سوى تأجيل «الطلاق» أو إلغائه، بعد أن صوّت مجلس العموم أمس برفض احتمال «الخروج الفوضوي» من دون اتفاق، غداة رفض المشرعين بغالبية ساحقة صيغة «بريكست المعدلة» بقيادة رئيسة الوزراء تيريزا ماي، التي تلقّت للمرة الثانية على التوالي في غضون شهرين هزيمة قاسية جردتها من آخر أوراقها.

فطبقاً للتوقعات، صوّت النواب البريطانيون بغالبية «ضئيلة» ضد التعديل غير الملزم، إذ أيد 312 منهم رفض الخروج بلا اتفاق مقابل 302، الأمر الذي يمثل صفعة جديدة لاستراتيجية ماي وخططها. من جهة أخرى، صوت المشرعون بغالبية 321 مقابل 278 على تعديل طرحته مجموعة من النواب يطالب الحكومة باستبعاد الخروج دون اتفاق في الـ29 من الشهر الجاري، وهو الموعد الأخير المحدد لكي تكمل لندن خروجها، كما رفض المجلس مقترحاً بتأجيل موعد الخروج إلى 22 أيار/مايو المقبل.
بعد هذا الرفض، تمضي لندن اليوم في التصويت قدماً، لمصلحة تمديد البقاء «المؤقت» في الاتحاد إلى حين التوصل إلى اتفاق جديد أو إجراء استفتاء ثانٍ، أو الخضوع لخيار المعارضة «العُمّالية» وإجراء انتخابات جديدة، وهو الأمر الذي لا تستبعده الأوساط الصحافية في لندن، إضافة إلى ترجيحها استقالة رئيسة حزب «المحافظين» في وقتٍ قريب، وذلك بالنظر إلى «حجم المأزق القائم ورفض البرلمان صفقتها مع عدم وجود مؤشرات على إقدام بروكسل على تقديم أي تنازلات جديدة».

بروكسل: لن نقبل تمديد «بريكست» ما لم تحدد لندن سبباً مقنعاً


وقُبيل التصويت، أعلنت ماي أنها لا تزال تحاول تأمين خروج بريطانيا من الاتحاد بصورة «منظمة» رغم رفض النواب خطتها. وفي أعقاب التصويت، قالت رئيسة الوزراء إن المجلس سيصوت اليوم (الخميس) على تأجيل الخروج، مضيفة: «من دون اتفاق، يمكن تأجيل بريكست لمدة طويلة». واقترحت أيضاً تصويتاً جديداً على «بريكست» بحلول العشرين من الشهر الجاري. وفي الوقت الذي تشير فيه معظم المؤشرات إلى اتجاه البرلمان نحو طلب تأجيل الخروج، تبرز مشكلة أخرى هي أن تأخير النواب موعد الخروج يفرض على المملكة المشاركة في الانتخابات الأوروبية المزمع عقدها بين 22 و26 أيّار/مايو المقبل.
على الصعيد الأوروبي، استبقت بروكسل تصويت أمس لتعلن أنّه لن «يُقبل تمديد موعد بريكست ما لم يحدد الجانب البريطاني سبباً مقنعاً لهذا التمديد». وقال البرلمان الأوروبي لشؤون «بريكست»، على لسان المتحدث غاي فيرهوفشتات، إنّ «الاتحاد ليس على استعداد لتمديد بريكست حتى لأربع وعشرين ساعة من دون أن تحدد بريطانيا ما تريد». وأضاف فيرهوفشتات: «ما نريده الآن هو الوضوح... ولذلك أنا ضد التمديد إن لم يكن مبنياً على رأي واضح». أما كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي، ميشيل بارنييه، فكان قد استبق هذه الأحداث بالتحذير أول من أمس من أنّ احتمال «بريكست من دون اتفاق هو الأرجح حالياً».
وفي انتظار القمة الأوروبية التي ستعقد الأسبوع المقبل، يبقى خيار التمديد معلقاً إلى حين البت به إذا تقدّمت لندن رسمياً بهذا الطلب. رغم ذلك، كل الإشارت تدل على صعوبة تحقيق هذا الأمر، خاصة أنه يجب أن توافق الدول الأوروبية الـ27 على الطلب، وهذا أمر ليس متاحاً جراء اختلاف البلدان المعنية في هذا الشأن. لكن يبقى للندن بارقة أمل في أن تُعاوِنها برلين بتسهيل حصول التمديد، خاصة أن المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، قالت أمس، إن «تأمين اتفاق قادة الاتحاد الأوروبي بتأجيل بريكست حتى نهاية حزيران/يونيو المقبل سيكون أمراً سهلاً». ونقلت صحيفة «ذي غارديان» البريطانية عن مصادر رفيعة قولها إن «ميركل أكدت أن برلين لن تقف عائقاً أمام تمديد أمد الخروج».