لا تتورّع الولايات المتحدة عن التدخّل في الشؤون الفنزويلية، وفي الوقت نفسه لا تخشى أن تُظهر هذا التدخّل بأوقح الصور وأكثرها فظاظة. لم يعد مستغرباً أن أزمة الكهرباء غير المسبوقة في البلد الغني بالنفط ليست سوى فصل من فصول الهجوم المنظّم والمتواصل على كاراكاس. ما كشفت عنه صحيفة «نيويورك تايمز» من اختلاق لقصة إحراق المساعدات الأميركية بتواطؤ من نظام كولومبيا، عند الحدود مع الأخيرة، يعزز الرواية التي يتمسك بها النظام بشأن انقطاع التيار. فالمساعدات، التي أُحرقت قبل أيام على أيدي أنصار الانقلابي خوان غوايدو، لا قوات الأمن، كما بينت آخر التسجيلات (رغم رفض النظام الفنزويلي لها)، استُغل أمرُها لتزخيم الهجوم على الرئيس نيكولاس مادورو، وبدت صادرة عن الجهة نفسها التي تقف وراء تعطيل الكهرباء، ومن ثم تستغل أزمة أخرى لمصلحتها. هكذا، وجد الفريق الانقلابي المدعوم أميركياً عنواناً جديداً للتظاهر: «انقطاع الكهرباء»، رغم أن السلطات تتمسّك بسيناريو افتعال الأزمة، إذ أكد مادورو أنه جرى توقيف شخصين بالجرم المشهود فيما كانا يُعدّان لتنفيذ هجوم على منشآت الكهرباء.

مع استمرار الأزمة، دعا الرئيس الفنزويلي إلى المقاومة الشعبية، قائلاً: «أطلق دعوة للجميع، تنظيمات اجتماعية، قوة شعبية، البلديات واللجان المحلية للإمداد والإنتاج (كلابس) وكوليكتيفوس: ساعة المقاومة الحية قد دقّت». وأوضح أن الهجمات على شبكة الكهرباء تقف وراءها استراتيجية تهدف إلى دفع الشعب نحو «اليأس» وإعادة تحريك محاولات إدخال المساعدات اللاإنسانية بالقوة لتبرير تدخّل عسكري أميركي، معرباً عن أمله في التمكّن من حل الأزمة في الساعات المقبلة.
الاستنفار المدني في فنزويلا جرى بالتوازي مع هجوم دبلوماسي أطلقته وزارة الخارجية، بعدما منح الوزير خورخي أرياسا الولايات المتحدة مهلة 72 ساعة لسحب دبلوماسييها الباقين على أراضي بلاده. الموقف الفنزويلي أتى بعد ساعات من إعلان الخارجية الأميركية أنها ستسحب موظفيها الباقين في السفارة هذا الأسبوع، لكون وجودهم في ظل «الوضع المتدهور» يشكّل «قيداً على السياسة الأميركية»، وفق وزير الخارجية مايك بومبيو. الأخير كان قد شنّ هجوماً جديداً على فنزويلا، ثم على كل من كوبا وروسيا اللتين تقومان بـ«تقويض الأحلام الديموقراطية للشعب الفنزويلي ورفاهه». ورأى بومبيو أن «الطبيعة الاشتراكية» لنظام مادورو هي المسؤولة عن انقطاع الكهرباء، لا الولايات المتحدة، واصفاً في الوقت نفسه كوبا بأنها «هي القوة الإمبريالية الحقيقية في فنزويلا»، لا الولايات المتحدة. وأضاف ساخراً: «عندما لا توجد كهرباء، أشكر أعجوبة الهندسة الكوبية الحديثة... روسيا أيضاً خلقت هذه الأزمة» من طريق تزويد فنزويلا بالأسلحة. كذلك، صوّب بومبيو على وعود مادورو بحياة أفضل يؤمّنها النظام الاشتراكي، معتبراً أن ذلك «وصفة للخراب الاقتصادي».
مواقف وزير الخارجية الأميركي تجاه حليفي النظام الفنزويلي، ومعها قرار إخلاء السفارة من جميع الدبلوماسيين، بدت جميعها إرهاصات تصعيد في مقبل الأيام، خصوصاً أن تراجع الطرفين عن خطوة سحب الدبلوماسيين قرئت في وقت سابق على أنها تنطوي على عدم رغبة في الذهاب بعيداً بالمواجهة. وإذا كانت الخطوة تأتي فقط في إطار التهويل وزيادة الضغوط استغلالاً لأزمة الكهرباء التي تطاول كل مناحي الحياة في فنزويلا، لم تُخفِ واشنطن نيتها الاستفراد بمادورو. في هذا السياق، أكد المبعوث الأميركي بشأن فنزويلا، إليوت أبرامز، أن بلاده ستفرض على المؤسسات المالية الأجنبية الداعمة لكاراكاس عقوبات إضافية «قاسية جداً» ستطبق «خلال مدة قصيرة جداً».