جواد (١٩٨٧)

كان «المركز» في أول شارع عبد الكريم الخليل في الشياح، الشارع الذي يتبع برمّته لتنظيم آخر، عند دَخلة باتيسري مرعي، المشهور بأطيب Boule au Chocolat في ضاحية الثمانينيات النوستالجية تلك. المركز كان ظاهرياً بيت مُطرِب مغمور: «السيبة» الألومينيوم التي تحمل الأرغن، والدرامز والمقعد المخصص لعازف الدف، والمقعد الآخر لعازف الدربكة، خلفهما ستارة بنفسجية اللون، تغطي الحائط كله. المطرب ذاته، محمد «الأجرودي» لم تنبت له لحية أصلاً، وكان ذلك فأل خير لخطة الاستتار: وحدنا كنا نعرف اسمه الآخر، «غريب»، خاتم الذهب في الإصبع الرابع والبروفات على موسيقى موفق وحكم الحكيم كانت كافية لإبعاد شبهة البحث عن أفراد مجموعتنا الصغيرة لكيلومترات عن الزاروب.
كنا سبعة، نتسرب الواحد تلو الآخر ندخل بيت المطرب بعد همس كلمة السر على الباب: «من الطارق؟ بائع الغاز». خلف الستارة البنفسجية باب يفضي إلى غرفة أخرى، بيت قصيدنا، نجلس على الأرض ونبدأ كما في كل جلسة: «إلهي حتى ظهور المهدي احفظ لنا الخميني، إلهي آمين»، نرددها بأصواتنا الناعمة، إذ كنا في معظمنا لا نكاد نبلغ الحلم، وكان المطرب الذي يرصد الشارع من الغرفة الأخرى يواكبنا بعزف القَسم على الأرغن حين يتأكد من خلو الشارع من المارة أو الفضوليين.
كنت في الرابعة عشرة، تماماً بعمر أولئك الأولاد الإيرانيين الذين يصعدون على الدراجات النارية وصور الإمام فوق صدورهم ليقتحموا حقول الألغام في الفاو، كنت أمنّي النفس أن أكون واحداً منهم. تحلقنا حول الشيخ قاسم الذي كان يتسلل من باب خلفي. الشيخ قاسم كان يعرّج على محل للورد قبل مجيئه إلى كل جلسة، ثم نعينه على «نتف» أوراق الورد وردة وردة، نضعها في إناء فضي كبير، يخرج الشيخ صوراً خمساً من جيب قميصه: «شهداء عملية علي الطاهر النوعية: سمير مطوط، حسن شكر، جعفر المولى، أكرم منصور، أحمد قطيش، استشهدوا تلبية لنداء الإمام روح الله الموسوي الخميني على ذرى جبل عامل»، ثم نضيء شموعاً بعدد الشهداء ويردّد الشيخ قاسم بصوته الدافئ: «يا مجهز حسين، قلي القبر وين» ونعيدها خلفه ونضرب صدورنا مقلّدين الخيول التي داست صدر الإمام في كربلاء.
خرجتُ من الجلسة دامعاً، سألني صاحب الباتيسري عن احمرار عينيّ، لم أنبس ببنت شفة. كانت في رأسي خطة يجب تنفيذها فوراً. توجهت إلى أبي شريف القزّاز وسحبت الصورة: خرج الخميني من جيبي بقلنسوته السوداء ورأسه المنحني لجهة اليمين قليلاً، جحظت عينا أبي شريف وأراد أن يتملص من تركيب إطار للصورة في بداية الأمر، لئلا «ينشمس» المحل. أغلقت باب المحل برفق خلفي وسحبت ورقتين من فئة ٢٥٠ ليرة الخضراء ووضعتها أمامه على الطاولة: أريد بروازاً كبيراً (٤٠ بـ ٦٠) لهذه الصورة. رضخ أبو شريف ووضع لها إطاراً فضياً قال إنه سيستعصي على الزمن. وضعها في كيس أسود كبير ورافقني إلى الباب: «احذر أن تنكسر، ولو انكسرت، لا تبح باسم القزّاز». وضعت النقود في يده التي أحسستها من زجاج أيضاً. وحدها يدي التي تحمل الصورة في شوارع الشياح في ذلك اليوم كانت من فولاذ.

وردة (٢٠١٩)
أذكر حين دخل جواد حاملاً الصورة. كنا ننتظره، أنا وبنات خالته، مع الـcake، في منتصف نوفمبر. قال إنه يحضر درساً للموسيقى. دخل حاملاً شيئاً مربعاً في كيس أسود، ظننا أنه هدية من أحد الجيران في عيد مولده. أردت أن أقبله فصدّني؛ جواد لا يشبه أباه في التعبير عن العواطف. أحببت أباه حين كنت ممرضة في المستوصف التابع للحزب الشيوعي، وكان أبوه يلهو بزجاجة مع صديقه. جُرحت يده فحملوه إليّ، أمسكتها فكانت لا تشبه أيدي الفلاحين أو أبنائهم الذين كنت أرمي بالـG3 فوق رؤوسهم حين كنت أدربهم من سنين قليلة على الزحف عند المطاحن قرب النهر. جاءني بعدها بيومين طالباً يدي التي قطبت جرحه.
المهم أن جواد توجه مباشرة إلى الراديو وأطفأ الموسيقى. رمقته شزراً، فأخرج من الكيس الأسود ما جعل الطير يحوم فوق رؤوسنا لبرهة: «هذا نائب المنتظر». خرجت بنات خالته باكيات من البيت، أردت أن أهجم على الصورة وأكسرها. خرج أبوه من الغرفة المجاورة وضحك: «اتركيه ويوماً ما سيزيلها وحده»، وذكّرني بصورة كارل ماركس التي أزلتها بنفسي من غرفة نومنا.

البندقية الأولى على مقبضها الخشبي صورة لرجل ملتحٍ وفوقها: «القدس قدس المسلمين ويجب أن تعود إليهم»


لم أكن أحب الخميني أو أكرهه، حين انتصر عام ١٩٧٩ كنت قد أرجعت قطعة السلاح إلى محمود، مسؤولي في «الجبهة الشعبية» في نقطة الجرمق، وكنت أرى ١٩٨٢ قادمة كالسيل على أحلامنا لتمزقها إرباً. صرت وردة أليفة، أمسك بيد جواد وأخته، وأخرج لقطف الزعتر البري صباحاً والهندباء في قرية زوجي القريبة. يومها عاندني أحد جذور شتلة «العكوب» فدسست يدي بين صخرتين لأسحبه، لأتلمس كيساً من القماش السميك: سلاح مخبوء في مفاصل الصخرة. سحبت الكيس وفتحته: البندقية الأولى على مقبضها الخشبي صورة لرجل ملتحٍ وفوقها: «القدس قدس المسلمين ويجب أن تعود إليهم».
جارنا حسن، ذو العينين الخضراوين، الذي كان يراقبني عن سطح بيته، جاء مهرولاً. اعتذرت بشدة عن فتك الكيس فخفف عني وحمل الكيس الذي عادت بنادقه لتظهر علانية أثناء اقتحام موقع سجد عام ١٩٨٧. عرفت حسن في الفيديو مباشرة يصعد مع رفاقه من نبعة عربصاليم حتى دشمة النبي، عند حمامات المقام الذي كان يزوره اليهود حتى النكسة، داس حسن كلباً للعملاء يغفو في ضباب ذلك الفجر من أغسطس، أراد الكلب أن ينبح فألقمه حسن رصاصة من البندقية ذاتها.
اقتحموا الموقع وسحبوا ملالة قادوها إلى طرف التلة وتركوها تتدحرج من الأعلى حتى نهر الزهراني في الأسفل. وقفت مشدوهة من المنظر في الفيديو، كانوا ينسحبون حاملين الجرحى ويلطمون صدورهم: «في درب الحسين نعشق الشهادة، بايعنا الخميني لأمر القيادة»... الخميني ذاته الذي أحضره جواد إلى بيتنا، والمقاومة التي كانت في تلك اللحظة عروساً تهرب منا لتحب رجلاً آخر.

عبد الكريم (٢٠١٢)
أنا الآن على سطح أحد الأبنية في داريا، على بعد أمتار من مقام السيدة سكينة. رفيقي علي جشي استشهد أمس بطلقة في فخذه. أخي جواد الذي يعيش في فرنسا أراد أن «يسحبني» إلى هناك. تغير جواد كثيراً، تقول أمي وردة إنه أحضر يوماً صورة الخميني إلى بيتنا، وصار الآن يقرأ «أطفال منتصف الليل» لسلمان رشدي. يأتي كل صيف لتبدأ الكوميديا المعكوسة: هو يريد أن ينحّي الصورة من مكانها، وهي لا تريد أن يزحزحها قيد أنملة. تقول وردة إن وجه الإمام يريحها، وإنها تضيء شموعاً لروح والدنا عند الصورة. ينتهي الجدال حين يسألها إن كان مخلّص ما سيخرج في آخر الزمان على حصانه حاملاً سيفاً من الخشب مثل دون كيشوت، وإن كانت ستضع للحصان علفاً على باب بيت القرية في الليل فتجيبه: «سكّر نيعك» ويضحكان.
أنا أيضاً لم تكن تعني لي تلك الصورة شيئاً، منذ سنة على الأقل. لم أكن أعرف لماذا صاحبها متجهم الوجه بهذه الطريقة: لماذا لا يضحك الخميني؟ كنت أسأل نفسي ما يسأله أمبيرتو إيكو الذي أحفظ اسمه من كتاب أهدانيه جواد في الماضي، إن كان المسيح يضحك أو الحقيقة صارمة بطبعها. لم أكن أعرف عنه شيئاً، جواد أخبرني مرة أنه وجد في طهران قصاصة مزخرفة طلب من صديقته أن تترجمها له: «لست مريضاً / لكني مرضت حين رمدَت عينُك اليسرى / وتعلّقتُ بأعلى زردة في صليب منصور / ودخلتُ البيت وقتلت خادمه / وشربت فيه خمرة النار المقدسة»، وسألها: هل الأبيات لحافظ الشيرازي أم لجلال الدين الرومي، فأجابته بأنها للخميني ذاته.
أنا عبد الكريم، الشاب المولود في التسعينيات والوحيد في صف الآثار في الجامعة الوطنية على خمسين فتاة، وحامل الدربكة، تمرّ أخبار درعا أمام ناظري دونما اهتمام في بداية الربيع المر. «إنهم يقتربون من مقام السيدة زينب»، قال لي قريبنا الذي كانت أمه تجهز جعبته للرحيل. في ليلة خيّل إليّ أن صوتاً يخرج من قلب الصورة ذاتها، الموضوعة في الصالون أمام مجلدات «لسان العرب»: أمسكني الصوت من يدي وساقني إلى معسكر للتدريب، أمسك فيه المدرب الكلاشينكوف أمامنا وقال: «فُردة، شُعيرة، أسفل منتصف الهدف». أعطانا عشر طلقات لكل منا، وقال: لا تنسوا أن تعدّوا. مازحني رفيق فنسيت أن أعدّ، أطلقت تسع طلقات وظننت أني انتهيت، أمرني المدرب بأن أصوب نحو رأسه. صوبت أعلى بقليل وخرجت الرصاصة. أمرني بأن أزرع المعسكر زحفاً ذهاباً وإياباً، والرصاص يلعلع فوق رأسي كما في الأيام الغابرة حين كانت أمي تسقي المقاتلين، وقد يكون المدرب أحدهم، من الكأس ذاتها.
على سطح البناية كنت أناوش قناصاً في الجهة المقابلة. قال لي جواد مرة إنّ في طهران شارعاً باسم خالد الإسلامبولي، وفي ألبوم طوابع والدنا طابع إيراني يحمل صورة سيد قطب. ضجّت تلك الأسماء في رأسي، وأردت أن أعرف من الذي أضاع فيها طريق القدس.
ترك لي جواد حين عدت من الحرب كتاباً ثانياً، في صفحة منه مكتوب ما يأتي: «لكن أخي، يعود من النصر حزيناً، يسرق من مكتبة كتاباً من الشعر، ويبكي على الأولاد الغرباء». نظرت إلى صورة الإمام في المكتبة، كانت هي الأخرى تفيض بدمع كثير.