استوعبت كاراكاس الصدمة الأولى، منذ احتماء الرئيس نيكولاس مادورو خلف التظاهرات المؤيدة ومواقف القوات المسلحة. لكن الرهانات الأميركية تحتاج إلى وقت للنضوج، وهي لا تزال تتركز على ثلاثة محاور. الأول، تفعيل العقوبات الاقتصادية، ليس لناحية إيلام الحكومة الفنزويلية وإضعافها فحسب، وإنما المسارعة إلى وضع اليد على جزء من ثروة البلاد المتصلة بالنفط، وتوظيفها في الحرب على فنزويلا. فوفق ما نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، سيعمد الرئيس الانقلابي خوان غوايدو، الى تعيين مجلس إدارة جديد لشركة «سيتغو» الأميركية التابعة لشركة النفط الوطنية الفنزويلية التي فرضت واشنطن العقوبات عليها.

على المحور الثاني، تبقي الولايات المتحدة حالة الاستقطاب الدولية حية، على رغم الانتكاسة التي حصلت داخل الاتحاد الأوروبي لمشروع الاعتراف بغوايدو، ما دفع واشنطن إلى الانتقال للاستفادة من الدول الملتحقة بالهجوم على فنزويلا للضغط على مادورو، ودفعه إلى التنازل والتنحّي والقبول بمطلب إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. في هذا الإطار، توصّل اجتماع مونتفيديو، عاصمة الأوروغواي، حيث التقى زعماء مجموعة الاتصال الدولية في شأن فنزويلا، إلى بيان، رفضت بوليفيا والمكسيك التوقيع عليه، ينصّ على الدعوة إلى «انتخابات رئاسية حرة». وتحظى مجموعة الاتصال بدعم الاتحاد الأوروبي ودول في أميركا اللاتينية، فضلاً عن البلد المضيف.
وقبيل الاجتماع، أكدت المكسيك والأوروغواي، مدعومتين من دول أخرى في منطقة الكاريبي، مساعي دعم الحوار، من خلال طرح مبادرة حملت عنوان «آلية مونتفيديو». وأوضح وزير خارجية المكسيك، مارسيلو إيبرارد، أن الآلية «قائمة على حسن النية، حيث لا نتدخل سوى من خلال الحوار والمفاوضات والاتصالات والاستعداد للمساهمة» في حلّ الأزمة. ويُعدّ لقاء مونتفيديو خطوة إضافية على طريق مساعي مجموعة الاتصال التي تشكّلت أواخر الشهر الماضي، ووضعت أمامها هدف إيجاد «عملية سياسية وسلمية» خلال 90 يوماً تتضمن دعم إجراء انتخابات. إلا أن البيان الختامي لاجتماع أمس، وإن بدا مخفف اللهجة ودعا إلى «صوغ مقاربة دولية مشتركة لدعم حل سلمي وسياسي وديموقراطي وفنزويلي للأزمة، يستبعد استخدام القوة»، فإنه تقاطع مع الخطاب الأميركي المطالب بإعادة الانتخابات الرئاسية، من دون التطرق إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة. وأغضب اجتماع الأوروغواي، روسيا، التي أسفت لكونها لم تُدع إلى الاجتماع. وقال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف: «كنا نأمل أن تتمكن روسيا من المشاركة في العمل الذي سيجري اليوم في مونتفيديو، على الأقل بصفة بلد مراقب، لكن قالوا لنا إن هذه الصيغة لن تمنح لأحد»، وأضاف: «أملنا كبير، ونريد الاعتقاد بأن لقاء مونتفيديو سيفضي إلى مساعدة سياسية وفكرية وإبداعية كبيرة في التسوية الحقيقية لمشاكل فنزويلا». إلا أن المسؤول الروسي أعرب عن مخاوف بلاده من محاولات «ممارسة ضغوط على السلطات الشرعية في كاراكاس»، ما سيجعل من الاجتماع «فرصة ضائعة أخرى». في الأثناء، كانت كاراكاس، في تطور لافت، تستقبل الممثلة الخاصة لوزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، فيرونيكا لورينزو. وبحسب وزير الخارجية الفنزويلي، خورخي أرياسا، فإن اللقاء بحث الأزمة التي تمر بها البلاد، و«ضرورة إطلاق حوار وطني من دون أي شروط مسبقة».

سيعمد غوايدو إلى تعيين مجلس إدارة جديد لشركة «سيتغو»


على محور ثالث، لا تتوقف واشنطن عن محاولات إحداث اختراق في الجيش الفنزويلي. وتوجّه مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، هذه المرة برسالة إلى كبار ضباط الجيش الفنزويلي، بأن بلاده «ستنظر في رفع العقوبات» عن أي منهم «يساند الديموقراطية ويعترف بالحكومة الدستورية للرئيس خوان غوايدو»، وإلا فإن واشنطن ستقوم بـ«إغلاق الدوائر المالية الدولية بالكامل». وفي موقف تصعيدي آخر، هدّد الأميرال المسؤول عن قيادة القوات الأميركية في أميركا اللاتينية، كاريج فولر، بأن الجيش الأميركي مستعد «لحماية العسكريين والمنشآت الدبلوماسية الأميركية (في فنزويلا) إذا لزم الأمر».
في غضون ذلك، رفضت حركة «فرنسا الأبية» اليسارية اعتراف حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، بغوايدو رئيساً. وسأل زعيم الحركة، جان لوك ميلونشون، في بيان: «في أي اتجاه سنسير إذا قمنا بذلك؟ وإذا اتبعنا هذه الأساليب، فسيصبح إريك درويت (قائد حركة «السترات الصفر») رئيساً لفرنسا».