لم يكن مفاجئاً أن تسارع إسرائيل إلى الاعتراف برئيس البرلمان الفنزويلي، الانقلابي خوان غايدو، رئيساً للبلاد. لا غرابة أيضاً في ابتهاجها بانتخاب الفاشي جايير بولسونارو، رئيساً للبرازيل، منذ بضعة أشهر، ولا بقرار هذا الأخير نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة. الخلفيات نفسها تفسر قوة علاقة رئيس الوزراء الإسرائيلي، ينيامين نتنياهو، بوزير الداخلية الإيطالي الفاشي ماتيو سالفيني، الذي وصفه الأول بـ«الصديق الكبير لإسرائيل»، خلال زيارته الكيان نهاية العام الماضي، وبرئيس وزراء المجر فكتور أوربان، اليميني العنصري. بين نتنياهو ورموز العصبية البيضاء الصاعدة، ومنهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب طبعاً، تماهٍ ثقافي ـــ أيديولوجي، وهلع مشترك من تحولات ما سمّاه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يوماً ما «عالم ما بعد الغرب». نشهد اليوم نشأة حلف حقيقي بين المذعورين من هذه التحولات، بمساهمة نشطة من الولايات المتحدة وإسرائيل، كمحاولة للتصدّي لها والانتقال مجدداً إلى الهجوم، كما يحصل في فنزويلا، وقد يحدث في بقاع أخرى. قوى الهيمنة الهرمة ووكلاؤها المحليون يسعون إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، مع ما يستتبع ذلك عادة من احتدام للصراعات الأهلية الداخلية والدولية.


فلسطين كحدّ فاصل
بين إسرائيل وشعوب أميركا الوسطى واللاتينية، بمَن فيها السكان الأصليون، تاريخ دامٍ ينساه أو يتعامى عنه معظم المحللين، الذين يتناولون قضايا هذه القارة. لقد كانت إسرائيل، منذ ستينيات القرن الماضي حتى أواخر ثمانينياته، الحليف الأبرز والميداني لجميع الأنظمة الديكتاتورية والطغم العسكرية التي حكمت هذه البلدان، بدعم وإشراف الولايات المتحدة. من تشيلي بينوشيه وأرجنتين فيديلا، إلى الكونتراس في نيكاراغوا، والطغمة العسكرية في غواتيمالا، لعب الخبراء والمستشارون العسكريون الإسرائيليون، إلى جانب نظرائهم الأميركيين، دوراً محورياً في حروب مكافحة التمرّد ضدّ الحركات الثورية وأحزاب المعارضة المناضلة في مواجهة الديكتاتوريات. تخصّصت إسرائيل في «المهام القذرة» التي اقتضتها هذه الحرب، وقدّمت خبراتها في مجال التنكيل بالسكان، وتهجيرهم من مناطق سكنهم، وتدمير الأحياء الشعبية المكتظة في المدن والبلدات، وإعادة بنائها لتصبح غير ملائمة لحرب العصابات، وتشكيل فرق الموت والميليشيات الرديفة للقوى النظامية.
ففي غواتيمالا مثلاً، استعانت الطغمة العسكرية الحاكمة بأرييل شارون خلال سبعينيات القرن الماضي، لمواجهة الحركات الثورية المسلحة، مستندة إلى تجربته في قمع المقاومة الشعبية في قطاع غزة، والتي كان من بين قادتها الشهيد محمد الأسود، «غيفارا غزة»، في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. الأمر نفسه ينطبق على السلفادور وكولومبيا، حيث شارك الخبراء الإسرائيليون في الحرب على القوى الثورية. وقد أسّس عدد من هؤلاء الخبراء، بعد تقاعدهم، شركات أمنية خاصة، واستمروا في العمل لحساب الأنظمة الحاكمة أو العائلات المسيطرة على مقدّرات تلك البلاد. لقد خلّفت هذه الحروب، وسياسات القمع المنهجي، والترويع المنظّم، عشرات آلاف الضحايا، من مناضلين سياسيين ونقابيين ومثقفين وفنانين ومواطنين عاديين، ولا سيما بين السكان الأصليين الذين تعرّضوا لتنكيل بالغ الوحشية. لم تنسَ تلك الشعوب، ولن تنسى، ما فعلته إسرائيل. جميع حركاتها الثورية كانت على صلة مباشرة بالمقاومة الفلسطينية، وتَدرّب العديد من أعضائها في معسكراتها، وحصلوا منها على دعم مباشر بالسلاح والعتاد حتى بداية الثمانينيات. مساندة المقاومة الفلسطينية للجبهة الساندينية في نيكاراغوا، ولجبهة فارابوندو مارتي في السلفادور، والتي كان من بين قادتها الفلسطيني الأصل شفيق حنظل، لم تكن سراً. وقد شارك بعض أعضاء الحركات المذكورة في عمليات إلى جانب هذه المقاومة، كالشهيد باتريك أرغويللو، المناضل النيكاراغوي في الجبهة الساندينية، والذي سقط في عملية خطف طائرة في لندن، إلى جانب رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1970.
انحياز ثوار أميركا اللاتينية إلى المقاومة الفلسطينية لم يكن نتاج مجرد تقاطع مصالح ظرفي ضد عدو مشترك، أو ترجمة لمبدأ التضامن الأممي فقط، بل ارتبط أيضاً بشعور عميق بالتماهي مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرّض لعملية اقتلاع استعماري من أرضه، لإحلال مستوطنين في مكانه. «عندما أنظر إلى ما يتعرض له الفلسطينيون، أرى أهلي وأجدادي الذين اقتُلعوا من أرضهم عبر القتل والتشريد». بهذه الكلمات بدأت مناضلة هندية من شعب «المابوش»، الذي تعرّض لمحاولات إبادة في الأرجنتين والتشيلي على أيدي المستوطنين البيض، مداخلتها في اجتماع تضامني مع فلسطين منذ عدة سنوات. جذرية المواقف التي عبّر عنها هوغو تشافيز وإيفو موراليس من القضية الفلسطينية ومن المقاومة المسلحة، تنبع من هذا التماهي مع شعب يقاوم استعماراً استيطانياً، وهو أقوى وأعمق من مجرد التضامن الذي تعبّر عنه قوى اليسار الأوروبي مثلاً، باسم «الحق في تقرير المصير» و«السلام العادل».
يقابل هذا الواقع تماهي الجيوب البيضاء المسيطرة على مقدّرات قسم كبير من دول أميركا اللاتينية، والمنحدرة من المستوطنين الأوروبيين، مع إسرائيل، كقلعة غربية في مواجهة «البرابرة». ليس من باب الصدفة ارتداء أحد أبناء بولسونارو، خلال زيارة إلى إسرائيل، قميصاً كُتب عليه «تساهال»، الاسم العبري للجيش الصهيوني، والابن الآخر قميصاً كُتب عليه «موساد». إسرائيل، في نظر تيارات الفاشية الجديدة، نموذج يُحتذى في كيفية التعامل مع الأغلبيات غير الغربية باللغة الوحيدة التي تفهمها، وهي القوة العارية المتحرّرة من أي قيود. حتى أنصار المجموعات الفاشية الشديدة الفظاظة، كـ«الجبهة الوطنية البريطانية» وقطعانها من حليقي الرؤوس، ومثيلاتها في دول شمال أوروبا، باتوا يتظاهرون حاملين الأعلام الإسرائيلية. لم يعد «العداء للسامية»، ونظرية الأعراق التي دحضها العلم منذ زمن طويل، الأساس النظري لمواقفهم السياسية، بل أطروحة صراع الحضارات التي يستندون إليها لزعم وجود تراتبية هرمية بين الحضارات، تحتلّ فيها الحضارة الغربية البيضاء رأس الهرم. نحن اليوم أمام عنصرية أساسها الاختلاف الثقافي و«الحضاري» لا العرقي. وإسرائيل، في نظر هؤلاء، جزء أصيل من الفضاء الثقافي والحضاري الغربي.

تحالف الأوغاد
يذكر الكاتب الأميركي، ألفريد ماك كوي، في مؤلفه المهم «في ظلال القرن الأميركي»، أن مجلس الأمن القومي الأميركي «اجتمع في البيت الأبيض في كانون الأول 1954 لبلورة استراتيجية للتصدي لتيارات التحرّر الوطني التي اجتاحت أفريقيا وآسيا، وطردت قوى الاستعمار الأوروبي القديم، ولم تتردد في نسج تحالفات مع المعسكر الشيوعي... خلال الاجتماع، قال وزير الخزينة الأميركي النافذ، جورج هامفري، إن على واشنطن أن توضح بشكل حاسم أنها لن تسمح للشيوعية بالحصول على موطئ قدم في أي بقعة من جنوب القارة. ونصح هامفري زملاء في المجلس بالتوقف عن الحديث عن الديمقراطية، وبدعم الديكتاتوريات اليمينية إذا كانت سياساتها منسجمة مع تلك الأميركية. قاطعه الرئيس الأميركي، دوايت أيزنهاور، بسؤال عمّا إذا كان يقصد التحالف مع هؤلاء الحكام إذا ارتضوا أن يكونوا «أوغادنا»، فأجاب بالموافقة، مضيفاً أنه أياً كان ما اخترنا أن نصرّح به حول القيم والحلول المثالية، علينا في ما بيننا أن نغلّب الاعتبارات العملية والحلول الواقعية».
في الواقع، قامت السياسة الخارجية الأميركية حيال بلدان الجنوب خلال الحرب الباردة على «إعاقة الديمقراطية»، كما أشار نعوم تشومسكي في كتاب حمل هذا العنوان، خصّصه لتحليلها في أواخر الثمانينيات. دعم الديكتاتوريات، ومنع التغيير الديمقراطي الذي قد يحمل إلى السلطة قوى وطنية، كانا من ثوابت هذه السياسة التي شجّعت على الانقلابات في غواتيمالا وإيران وإندونيسيا والكونغو والتشيلي والأرجنتين وبنما، والعديد من البلدان الأخرى. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وسيادة أوهام الهيمنة الأحادية الأميركية على العالم، عملت واشنطن على اعتماد استراتيجية «نشر الديمقراطية» كأداة لإسقاط الأنظمة الوطنية، وتوسيع دائرة نفوذها. لكن تغيّر موازين القوى الدولية اليوم، وبداية تراجع هيمنتها، يدفعانها إلى العودة إلى سياساتها القديمة القائمة على التحالف مع «أوغاد» مكشوفين كمحمد بن سلمان، وبولسونارو، وأوربان، ونتنياهو. لم يعد أحد يصدّق مزاعم إسرائيل عن نفسها في الغرب، والتحالف معها لم يعد يبرّر بالحديث عن القيم المشتركة وغيرها من الترّهات، بل بضرورة رصّ الصفوف الغربية في مواجهة «الآخرين». اجتمع الأوغاد على فنزويلا، وعلى الذين يرفعون شعارات التحرّر والعدالة والمساواة أن يختاروا معسكرهم!