استفاقت أوروبا، أمس، على صدمة، بعد رفض البرلمان البريطاني اتفاق «بريكست» المبرم بين الحكومة والاتحاد الأوروبي في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بـ432 صوتاً، في حين قوبل بتأييد 202 من الأصوات، الأمر الذي ولّد ردود أفعال، خصوصاً لدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي اعتبرت أن رفض الاتفاق «يزيد من مخاطر خروج بريطانيا من التكتل من دون اتفاق». وفي السياق، دعا رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر لندن إلى «توضيح نواياها في أسرع وقت ممكن»، مضيفاً أن «اتفاق الخروج هو تسوية منصفة ويشكل أفضل اتفاق ممكن، حيث يحدّ من الآثار المسيئة لبريكست على المواطنين والشركات في مجمل أنحاء أوروبا»، ومشدداً على أنه «يشكل الحل الوحيد لضمان خروج منسق لبريطانيا من الاتحاد». من جانبه، قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إنه «إذا كان من المتعذر التوصل إلى اتفاق، ولا أحد يريد أن يكون هناك أي اتفاق، إذن من سيتحلى بالشجاعة لقول ما هو السبيل الوحيد الإيجابي؟». كذلك الأمر بالنسبة لكبير المفاوضين الأوروبيين بشأن «بريكست» ميشال بارنييه، الذي أكد أن مخاطر خروج بريطانيا من دون اتفاق «لم تكن أعلى ممّا هي عليه الآن».

وكما كان متوقّعاً، فقد تركت خطوة البرلمان البريطاني الدول الأوروبية في حيرة، الأمر الذي ظهر في ردود الأفعال الصادرة عن الجانب الألماني والفرنسي بنحو خاص. وعلى هذا الصعيد، عبّرت المستشارة أنجيلا ميركل عن أسفها، مؤكدة في الوقت ذاته أنه «لا يزال هناك وقت للتفاوض» على اتفاق بشأن «بريكست» عملاً باقتراحات محتملة من جانب رئيسة الوزراء البريطانية. وقد وصف نائبها، أولاف شولتس، رفض البرلمان البريطاني للاتفاق، بأنه يشكل «يوماً مريراً لأوروبا». على الجهة الفرنسية، أشار الرئيس إيمانويل ماكرون إلى أنه «يجب في مطلق الأحوال أن نتفاوض معهم (البريطانيين) بشأن فترة انتقالية لأنه لا يمكنهم تحمّل أن تتوقف الطائرات عن الإقلاع أو الهبوط على أراضيهم كما أن متاجرهم تؤمّن إمداداتها بنسبة 70% من أوروبا القارية». وقد جاء تصريح ماكرون في وقت أعلن مصدر رئاسي أن باريس «تسرّع التحضيرات لاحتمال خروج بريطانيا من دون اتفاق»، موضحاً أن «السيناريو الذي لا نريده هو خروج من دون اتفاق والمخاطر تزايدت بالأمس». وأضاف أن «رئيس الوزراء (إدوار فيليب) سيلتقي غداً (اليوم) أبرز الوزراء المعنيين لتسريع التحضيرات لمواجهة هذا السيناريو».

«إبادة بريطانية»
في غضون ذلك، حظيت هزيمة ماي «المدوية» بعناوين مثيرة في الصحف البريطانيّة التي خصّصت معظم صفحاتها الأولى لنتيجة التصويت «الحاسم» على صفقة الخروج من الاتحاد الأوروبي. ووصفت الصحافة الهزيمة التي تعرّضت لها رئيسة الوزراء بـ«الإبادة البريطانية»، كما أعطت الهزيمة فرصة للمحلّلين، خصوصاً المنتقدين الدائمين لماي، كي يطلقوا العنان لأفكارهم وهواجسهم المرتبطة بطريقة إدارتها لمختلف الملفّات، الداخلية منها والخارجية.
صحيفة «ذي غارديان»، التي أبرزت صورة نادرة لمعسكر النواب الرافضين للصفقة، رأت أن «ماي عانت هزيمة تاريخية حيث خذلها المحافظون». وفي افتتاحيتها، أعربت عن صدمة من مسار الأحداث. وقالت: «في يوم من الأحداث الدرامية التي لا تُصدق في ويستمنستر أصدر مجلس العموم حكماً تاريخياً ضد صفقة ماي»، مضيفة أنه «حكم غير مسبوق في تاريخ البرلمان».

حظيت هزيمة ماي «المدوية» بعناوين مثيرة في الصحف البريطانيّة


صحيفة «ذي صن» خصصت صفحة كاملة بعنوان «بريكسنت ــ Brexitinct» في إشارة إلى «إنقراض بريكست» (Extinct)، وظهرت صورة ماي، وعلى أنفها منقار طائر الدودو المُنقرض. من جهتها، ركّزت صحيفة «ديلي ميرور» على دعوة زعيم حزب «العمال» جيرمي كوربن، إلى سحب الثقة من ماي، وكتبت على صفحتها الأولى: «لا صفقة ولا فكرة ولا ثقة»، وتحته عنوان فرعي: «أكثر الهزائم التاريخية المُهينة لماي». بدورها، وصفت صحيفة «ديلي تلغراف» الهزيمة بـ«الإهانة الكاملة»، وقالت إن الصفقة أصبحت «هباءً». «تحتاج (ماي) لمهارة خاصة كي تجمع الناس وتوحدهم ضدك» أضافت الصحيفة. كذلك الأمر بالنسبة لصحيفة «ذي تايمز»، التي رأت أن «ماي تعاني من هزيمة تاريخية».
صحيفة «ديلي إكسبرس» التي أفردت مقالاً بعنوان «ذعر»، لم تعبّر عن الغضب كما بقية الصحف، خصوصاً أنها من الداعمين للخروج. وإذ شدّدت على أن ماي «قاتلت بشجاعة من أجل الصفقة»، فقد قدمت توجيهاً مطولاً للنواب، مؤكدة أن «الأمة تبكي من أجل الوحدة وكل ما يدعو إليه كوربن هو إسقاط رئيسة الوزراء». بالتوازي، دعمت صحيفة «ديلي ميل» رئيسة الوزراء وخطتها، مشيرة إلى أنها «تقاتل من أجل حياتها»، بجانب «قنبلة بريكست». وفيما أوضحت الصحيفة أن «رئيسة الوزراء دعت النواب المتمردين لدعمها في النقاش بشأن نزع الثقة منها»، فقد لفتت إلى أن «هزيمة أخرى قد تؤدي إلى انتخابات جديدة تقود جيرمي كوربن إلى 10 داوننغ ستريت (مقر رئاسة الحكومة)».