لندن | كما دأبهم في مواجهة إمكان خروج السلطة من أيديهم، استعاد نواب حزب «المحافظين» الحاكم في بريطانيا وحدتهم في وقت قياسي، على رغم أن «دماء» كثيرة سالت بينهم في حروب العرش الأخيرة. وبعد أقل من 24 ساعة على مشاركة أكثر من ثلثهم في إسقاط مذلّ لمشروع الحكومة للاتفاق حول «بريكست»، ليعودوا إلى خنادقهم الأيديولوجية ويصوتوا حزبياً ضد مشروع قرار حجب الثقة عن الحكومة الذي تقدم به جيريمي كوربن، زعيم حزب «العمال» المعارض، فتحتفظ تيريزا ماي بمنصبها بغالبية مريحة نسبياً (325 صوتاً مقابل 306) وحتى بأعلى من مستوى الثقة التي حصلت عليها بعد آخر انتخابات عامة بـ 14 صوتاً لا أقل. هذه النتيجة المعاكسة لروح الممارسة الديموقراطية، بمنحها السلطة لسيدة فشلت في إدارة أهم الملفات القومية الآنية على الإطلاق ستؤدي حكماً إلى إغراق البلاد في أزمة سياسية واقتصادية شاملة، أقله على المديين القريب والمتوسط، وتهدد بإلقاء البريطانيين أفراداً ومؤسسات في خضم كابوس فراغ قانوني وإجرائي لا يعلم أحد في المملكة سبيل الخروج منه.

كانت تيريزا ماي قد استهلّت يومها السياسي الطويل في الصباح الباكر بالرجوع عن وعودها العلنية، الليلة قبل الماضية، بالتشاور مع الأطراف السياسية كافّة في البلاد للتوافق حول الخطوات الممكنة للتعامل مع مسألة الاستمرار بتنفيذ قرار ترك عضوية الاتحاد الأوروبي، وذلك بتمنعها عن الاجتماع مع جيريمي كوربن زعيم المعارضة، وقائد أكبر أحزاب البلاد. وهو ما تسبب في تناقض تام في موقفيهما بشأن الخطوة التالية حول «بريكست»، عندما تجادلا أمام مجلس العموم. سلوك ماي قرأه مراقبون بأنه إعلان نيّات عن عدم استعداد الرئيسة للتخلّي عن السلطة لمصلحة المعارضة من خلال الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة يبدو المحافظون فيها، إن هي أجريت، على موعد مع خسارة أكيدة لغالبيتهم الحالية الهشة في البرلمان.
مشروع الاتفاق مع المفوضية الأوروبية على تفاصيل «بريكست» الذي قدّمته حكومة تيريزا ماي تعرّض الليلة قبل الماضية إلى هزيمة مذلّة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البرلمان البريطاني، عندما صوّتت غالبية في مجلس العموم بفارق 230 صوتاً ضدّه، بعدما كان سبقهم مجلس اللوردات المعيّن بقرار مماثل، وإن كان غير ملزم، عند تصويته على المشروع ذاته في جلسته يوم الاثنين الماضي. وقد قضى النواب يومهم التالي في خطابات حماسية ذهب المعارضون فيها إلى إعلان حجبهم الثقة عن الحكومة، ليس لفشلها المهين في إدارة ملف «بريكست» وتجاهلها البرلمان أثناء مفاوضاتها مع المفوضية الأوروبية في شأنه فحسب، بل وكذلك لسوء مجموع سياساتها. سياسات أوصلت غالبية البريطانيين إلى واحدة من أسوأ مستويات انعدام العدالة وسوء توزيع الموارد وتردي الخدمات العامة وتقلّص التقديمات الاجتماعية مقارنة بمعظم دول الشمال الغني كلها، لدرجة استدعت تلقي المملكة انتقادات مهينة من الأمم المتحدة. بينما تحدّث العديد من النوّاب كذلك تأييداً للرئيسة (ومنهم كثيرون صوتوا ضد مشروعها بالأمس) متجاهلين تراكمات الأداء الضعيف للحكومة وسقوط مشروعها لـ«بريكست» للتركيز على هجومات أيديولوجية الطعم، ولا صلة لها بالجدل حول العلاقة بالاتحاد الأوروبي، استهدفت شخص كوربن مع اتهامه بالتردد وعدم وجود بدائل لديه من مشروع الاتفاق الذي سقط.
تيريزا ماي أعلمت المجلس، فور انتهاء التصويت، عن عزمها البحث في خطة تكون بديلاً من مشروع الاتفاق الذي رفضه، ووعدت بعقد اجتماعات أزمة خلال الأيام القليلة المقبلة مع رؤساء الكتل والأحزاب جميعها للتداول وطرح تلك الخطة مجدداً على مجلس العموم في جلسته يوم الاثنين المقبل. وقد أعلن في لندن بعد انتهاء التصويت بقليل عن أن ماي وجهت الدعوة بالفعل إلى كوربن للالتقاء بها بـ 10 دواننغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء) في وقت لاحق من الليل.
الخيارات أصبحت محدودة أمام ماي، لا سيما أن الأوروبيين بدوا غير مهتمين بمد حبال النجاة لماي من خلال امتناعهم عن إبداء شيء من المرونة والقبول بإعادة التفاوض على بعض جزئيات الاتفاق، مما يشير إلى أنهم سعداء بتعثر مشروع حكومة المحافظين ومستبشرون في سرّهم بإمكان إعادة فتح الباب من جديد لاستمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبيّ، بشكل أو بآخر، وإلغاء مفاعيل استفتاء «بريكست» 23 حزيران/ يونيو الشهير. وحتى لو لجأت الرئيسة إلى طلب تأجيل موعد الخروج المقرر في 29 آذار/ مارس المقبل، وفق ما تسمح به المادة 50 من قانون الاتحاد، فإن ذلك يعني عملياً أنه لن يكون بإمكان المملكة المتحدة التخلص قانونياً من هيمنة بروكسل قبل عدة أعوام على الأقل.
أجندة المعارضة الآن، وبعد فشلها بالإطاحة بماي، تتمحور حول حشر الحكومة في مربّع الالتزام بعدم الخروج من الاتحاد خلال سبعين يوماً من دون اتفاق، لأن عواقب ذلك، الاجتماعية والاقتصادية، قد تكون كارثية على البلاد والمواطنين والمقيمين، وقد تتسبب في تعقيدات وأزمات لوجستية وحدودية غير مسبوقة، لا سيما في ما يتعلق بالحدود بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا التي كانت موضوع جدل كبير في الآونة الأخيرة، إضافة إلى مسائل ملحة أخرى مثل حقوق الصيد في بحر الشمال والوضع القانوني لأكثر من ثلاثة ملايين أوروبي يقيمون في المملكة بصفة دائمة.
المعارضة بخسارتها هذه الفرصة الأخيرة لوقف سيرك «بريكست»، الذي أوقعت نخبة البلاد بريطانيا فيه، لم تعد تملك عمليّاً في وجه تعنت «المحافظين» سوى نقل الكرة إلى الشارع والضغط من هناك على المؤسسة السياسية لمنح تفويض لحكومة جديدة تكون أكفأ في إدارة الملفات الساخنة جميعها وتتمتع بشرعية مقبولة للتعامل مع القضية الشائكة للعلاقة مع أوروبا.