تعيد طهران ترتيب هيكل السلطة في أعقاب غياب أحد أعمدة النظام: رئيس السلطة القضائية السابق ورئيس «مجلس تشخيص مصلحة النظام» والمرجع الديني محمود هاشمي شاهرودي. الأخير، الذي أشير إليه كمرشّح لخلافة المرشد علي خامنئي، أعاد مع وفاته قبل أيام التكهّنات بشأن المرشحين وحظوظ الأقطاب من رجال الدين البارزين في خلافة «الولي الفقيه». وهي تكهّنات تظلّ حديث المراقبين في الداخل والخارج، نظراً إلى حساسية منصب المرشد في الجمهورية الإسلامية، علماً بأن الدستور الإيراني يحدّد آلية لاختيار صاحب السلطة العليا في البلاد الذي يجب أن يحوز مواصفات خاصة، عبر اختيار أعضاء «مجلس الخبراء» المنتخب بدوره بالاقتراع المباشر من الشعب.

وأمس، أصدر المرشد خامنئي قراراً بتعيين صادق لاريجاني رئيساً لـ«تشخيص مصلحة النظام»، وهو الذي يرأس حالياً السلطة القضائية في البلاد، ليَخلف الراحل شاهرودي في المنصب. لاريجاني المولود في مدينة النجف العراقية والمحسوب على تيار «المحافظين»، يُعرف بـ«آية الله آملي» نسبة إلى مدينة آمل في محافظة مازنداران (شمال البلاد) حيث ينحدر. وهو الشقيق الأصغر لرئيس البرلمان (مجلس الشورى الإسلامي) علي لاريجاني، متزوّج من ابنة المرجع الديني وحيد الخراساني، وينتمي إلى عائلة لاريجاني الدينية، النافذة في البلاد، والتي يتوزّع أبناؤها على مناصب إدارية في السلطة، علماً بأنه لم يشارك أي منهم في دور بارز إبان الثورة.
وتردّد أن صادق لاريجاني (58 عاماً) كان يودّ العودة إلى مدينة قم، ومتابعة إلقاء المحاضرات في الحوزة الدينية، قبل أشهر على موعد انتهاء ولايته في السلطة القضائية. لكن قرار تعيينه الجديد، الذي فرضه غياب شاهرودي، يعني أن لاريجاني، الذي يواجه معارضة شرسة من الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، لن ينسحب من الواجهة، بل سيبقى في دائرة أقطاب الحكم في طهران. وقد أصدر خامنئي أمس بياناً ضمّنه قرار تعيين لاريجاني، جاء فيه: «نظراً للدور الفرید لمجمع تشخیص مصلحة النظام فی مجال إدارة وتكریس أسس النظام المقدس للجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة، ونظراً لرحیل العالم المجاهد آیة الله هاشمي شاهرودي... وضرورة التنظیم العاجل لأركان مجمع تشخیص مصلحة النظام، أعیّنكم رئیساً لهذا المجمع المهم والمؤثر». كذلك شمل القرار عضوية لاريجاني في «صيانة الدستور»، مع الإشارة إلى أنه عضو أيضاً في «مجلس الخبراء». يشار إلى أن «مجمع تشخيص مصلحة النظام» مؤسسة معيّنة من قِبَل المرشد، تتركّز مهامها بشكل رئيسي على فصل النزاع بين البرلمان و«مجلس صيانة الدستور»، الذي هو أقرب إلى محكمة دستورية تراقب سنّ قوانين البرلمان وعدم تعارضها مع الشريعة الإسلامية. كما يمكن أن يضطلع المجمع بدور استشاري للمرشد.
ويأتي القرار قبل أشهر من موعد انتهاء ولاية لاريجاني في رئاسة السلطة القضائية، ما يعني أن عملية ترميم هيكل النظام وتعبئة المواقع الشاغرة تنتظر قراراً لا يقلّ أهمية بملء الفراغ في السلطة القضائية. ويرجّح متابعون أن يختار خامنئي لهذا المنصب المرشّح الخاسر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إبراهيم رئيسي، على رأس السلطة القضائية خلفاً للاريجاني. ورئيسي، الذي هو الآن عضو في «الخبراء»، عمل في القضاء مدة طويلة حتى شغل منصب نائب الرئيس السلطة القضائية قبل سنوات، قبل أن يخوض غمار المنافسة الانتخابية عن معسكر تيار «المحافظين».