لندن | قد تكون رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، قد حصلت على ثقة 200 من نواب حزبها الـ317 في البرلمان، وهو ما يؤهلها للاستمرار بالمنصب لسنة كاملة دونما تحدٍّ لها من أروقة الحزب وفق نظامه الدّاخلي، لكنها نتيجة لا تشبه الانتصار في شيء، إذ إن ماي استنفدت كافة أوراقها في محاولة إدارة ملف «البريكست»، وانتهت إلى طريق مسدود بمشروع اتفاق هزيل يرفض الأوروبيون التراجع عنه ولا ترغب فيه أي من القوى السياسية الفاعلة، بما فيها ثلث نواب حزبها.

ولعل «المحافظين» بخيارهم تعويم ماي يدفعون بالأمور دفعاً إلى ساحة التأزم في البرلمان، إذ إن حزب «العمّال» المعارض قد يلجأ إلى تقديم مشروع قرار للتصويت من جديد على الثقة بالحكومة، وهو ما قد يسبّب خسارة الحزب الحاكم للأغلبيّة وحكماً الدعوة إلى انتخابات عامة، تقول كافة الاستطلاعات إنها ستنقل مفاتيح 10 دوانينغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء) إلى جيب جيريمي كوربن، الزعيم اليساري لحزب «العمال».
والحقيقة أن حزب «المحافظين» الذي بقي في السلطة بعد الانتخابات الأخيرة معتمداً على دعم حزب يميني صغير من إقليم إيرلندا الشماليّة (حزب الاتحاديين الديمقراطيين)، فقد حتى تأييد نواب ذلك الحزب بالنظر إلى معارضتهم الشديدة للجزء المتعلق بالحدود بين إقليمهم والدّولة الإيرلنديّة الأم في دبلن، من مشروع ماي لـ«البريكست». كذلك تلقى الحزب لطمة أخرى بتولي رفيق مقرب لجيرمي كوربن منصب الوزير الأول في إقليم ويلز، الأمر الذي يعني توافقاً كليّاً لكل الأقاليم الطرفيّة في المملكة ضد ماي وصيغتها.
الحزب الذي يمثّل مصالح تحالف نخبتي البلاد البرجوازيّة والأرستقراطيّة تماثل في كافة مراحله مع أقدار الإمبراطوريّة المتقاعدة – من عهود الاستعمار، ومركزيّة القطاع المالي (في السيتي – مقر الأنشطة الماليّة قلب لندن) وحرياته الاستثنائيّة، إلى هيمنة إنكلترا على بقيّة المجموعات الإثنيّة في الأقاليم الخاضعة لحكم الاتحاد، إضافة إلى سيطرته شبه الدائمة على أغلبيّة مقاعد البرلمان، وتحكّمه شبه التام بمخرجات الإعلام البريطاني، مرئية ومسموعة ومقروءة. هذا الانخراط الكلّي في تمثيل النخبة دفع الحزب المفتقر بشدّة إلى قيادات تاريخيّة إلى التورط في ركوب موجة الشعبوية الصاعدة بين الجماهير الأوروربيّة – وبالضرورة الإنكليزيّة البيضاء – وإجراء استفتاء (البريكست) بشأن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تجاوباً معها. وهو الاستفتاء الذي قَسَمت نتيجته المتعادلة تقريباً – مع أغلبيّة بسيطة لمصلحة المغادرة – البلاد إلى ما يشبه أمتين متناقضتين تتعايشان بنزق على جزيرة واحدة، وكشف عن فشل ذريع للحكومة في إدارة التفاوض على تفاصيل الطلاق مع المفوضيّة الأوروبيّة في بروكسيل.

خيار «المحافظين» يدفع بالأمور دفعاً إلى ساحة التأزم في البرلمان


جيريمي كوربن كان قد تجاهل تصويت الثقة على ماي داخل الحزب الحاكم، مصرّاً في الجلسة الصباحيّة للبرلمان على أن الحكومة بتهرّبها من التصويت على مشروع ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي تهين البرلمان من جديد وتطيح آمال الشعب البريطاني. ومن الواضح أن اتفاق رئيسة الوزراء بصيغته الحاليّة لا يمتلك أيّة فرصة للحصول على تأييد البرلمان نظراً لتوافق جميع الأطراف السياسيّين تقريباً، بمن فيهم المعارضون لـ«لبريكست» وغلاة المؤيدين له على إسقاطه. ولم يُبدِ الأوروبيّون أيّ مرونة لمساعدة ماي على تجاوز أزمتها الحادة بإعلانهم الصريح والحاسم بأن لا تنازلات إضافيّة ستقدّم فوق ما سبق مناقشته معها، وهو ما يعني عمليّاً أن الحكومة قد فقدت شرعيتها للحكم، وقد تضطر بالفعل للدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة أو تجبر عليها، وهي انتخابات تبدو حظوظ المعارضة في كسبها شبه محسومة إن عقدت في خضمّ مثل هذه الأجواء المحمومة. ربما كانت ماي قد نجت بمنصبها الليلة الماضية من هزيمة مذلّة، لكن قادم الأيّام قد يجعلها تتمنى لو أن حزبها أطاحها ولم يتركها وحيدة متهالكة في مواجهة الواقع السياسي العاصف الذي قادت نفسها والبلاد معها إليه.