طهران | منذ حزمة العقوبات الأولى التي أطلقتها الولايات المتحدة ضد طهران في آب/ أغسطس الماضي، كانت أشهر قليلة فقط كافية لإحداث ضرر بالغ في قطاع السيارات والنقل الإيراني، أحد أهم القطاعات في هذا البلد، وذلك بعدما تصدّر لائحة الحظر الجديدة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إثر انسحابه من الاتفاق النووي. صدمة أولى تلقاها سوق السيارات بعد الارتفاع المفرط لسعر الدولار، نسبةً إلى العملة المحلية، في فترة قصيرة، كانت كفيلة بشلّ هذا القطاع وإغلاق العديد من المعارض. وجد رواد القطاع، من تجار ومصانع، أنفسهم أمام واقع يحرمهم استيراد القطع من الشركات الأجنبية بسبب الارتفاع الباهظ في أسعارها، نظراً لهبوط العملة الذي أدى مباشرة إلى ارتفاع أسعار السيارات المحلية والمستوردة، فبلغ سعر «هيونداي Elantra» المستوردة من الطراز الأحدث 3.5 مليارات ريال إيراني (27000 دولار)، بعد أن كان 1.6 مليار (12300 دولار) فقط في السنة المنصرمة. وبلغت تكلفة سيارة «برايد» المحلية الصنع 350 مليون ريال (2700 دولار)، بعد أن كان لا يتخطى سعرها 170 مليوناً (1300 دولار أميركي)، بحسب القيمة الحالية للدولار في السنة ذاتها. تلا ذلك صدمة ثانية كانت بمثابة الضربة القاضية على هذا القطاع، أقلها في الوقت الحالي، بعد العقوبات التي فرضتها واشنطن. ومنذ إعلان العقوبات، توالى انسحاب الشركات الأجنبية التي كانت تنشط في قطاع النقل والسيارات خوفاً على مصالحها مع الولايات المتحدة، مثل «بيجو» و«توتال» الفرنسيتين، إلى جانب شركات أوروبية وكورية جنوبية، كان يقدّر حجم العمل التجاري لجميعها مع إيران بنحو سبعة مليارات دولار سنوياً.

وحدها شركة «رينو» تتابع اليوم نشاطها التجاري مع إيران في قطاع السيارات، لكن مع ارتفاع مفرط أيضاً في أسعارها، إذ تصل قيمة سيارة «رينو كوليوس» إلى نحو 3.2 مليارات ريال (25000 دولار)، فيما بلغ سعر طراز «سانتافا» 3.5 مليارات (27000 دولار)، بعد أن سجّل نحو 19.7 مليار (15000 دولار) في السنة الإيرانية الماضية، المنتهية في 20 آذار/ مارس الماضي. يعزو خبراء إيرانيون هذا الركود في سوق السيارات إلى تقلبات أزمة سوق العملات الأجنبية وصعود قيمة الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، فضلاً عن عدم طرح طراز جديد من شركتي «سايبا» و«إيران للسيارات»، عملاقي الصناعة في البلاد، إذ تراجع أخيراً مستوى العروض والمحفزات التنافسية والتشجيعية المقدّمة للزبائن، فضلاً عن دخول العقوبات حيّز التنفيذ وصعوبة التواصل مع الشركات الأجنبية.
يؤكد ما تقدّم المستشارُ في الشركة الإيرانية لتصنيع السيارات «إيران خودرو»، المحلل الاقتصادي سعيد ليلاز، باعتبار أن انسحاب العديد من الشركات بسبب الخوف من الطبيعي يترك أثراً سلبياً على القطاع، خصوصاً من حيث العرض والطلب في ظل التراجع الكبير للعملة المحلية أمام الدولار، «فنحن نعاني اليوم إلى جانب قلة الشركات من صعوبات قاسية من حيث استيراد المستلزمات». لكن ليلاز يستدرك في حديثه إلى «الأخبار» بالقول إن «إيران اعتادت هذا الشيء (العقوبات)، فلا يمكن أحداً أن ينكر أننا قادرون على الاستمرار في التصنيع ضمن إمكاناتنا المحلية غير القليلة، بالإضافة إلى خطة مستقبلية جديدة لاستقطاب الشارع الإيراني ودفعه إلى شراء السيارات المحلية عبر زيادة الإنتاج والعرض من أجل زيادة الطلب»، ويتابع: «قد بدأنا في هذه الخطوة منذ دخول العقوبات حيّز التنفيذ، فقد بلغ عدد سيارات الصالون المنتجة في الأشهر الثلاثة الماضية 317 ألفاً و 810 سيارات، فيما كان العدد يبلغ 290 ألفاً و 887 سيارة في الفترة المماثلة من العام الماضي. في هذا الإطار أيضاً، أنتجت المصانع الإيرانية خلال الفترة من 21 آذار/ مارس إلى 20 حزيران/ يونيو 14080 شاحنة صغيرة، فيما كان العدد المنتج في الفترة المماثلة من العام الماضي 13009 شاحنات، وهو ما يعكس ارتفاعاً بنسبة 8.2 في المئة. ووفق الخبير الإيراني، بلغ إنتاج البلاد من الشاحنات المتوسطة والثقيلة والساحبة 3848 خلال الفترة المذكورة، ارتفاعاً عن 3030 شاحنة بزيادة نسبتها 27 في المئة.

وضعت الشركات خطة مستقبلية لتفادي الأزمة واستقطاب الزبائن


وفي حديث إلى «الأخبار»، يقول خبير العلاقات الدولية عباس أصلاني، إن الشركات التي تركت إيران نزولاً عند رغبة واشنطن «لن يكون لديها أفق جديد في داخل السوق الإيرانية»، لافتاً إلى أن ثمة بدائل، بينها شركات جديدة من دول أخرى بدأت تتواصل مع الجهات الحكومية المعنية، وهي مستعدة لرفع مستوى التبادل التجاري مع إيران في قطاع السيارات. وحول هذه البدائل يشير إلى أن الصين «تقدم تسهيلات كثيرة في هذا المجال، والآن نحن في مرحلة تصنيع السيارات الصينية في إيران بأسعار تنافسية وقطع غيار متوافرة». وبلغة أكثر تفاؤلاً، يضيف: «اللجان الاقتصاية باشرت بوضع خطط مستقبلية لتفادي الأزمة التي تعتبر بمضمونها أخف وقعاً من العقوبات السابقة، وقد عينت الشركات المحلية لصناعة السيارات لجنة متخصصة لمتابعة سوق السيارات في البلاد وزيادة الإنتاج ورفع العروض (التنافسية) من أجل بيع أكثر إلى جانب التسهيلات في الدفع، وهي بصدد التمهيد لإطلاق أنواع جديدة وأكثر تطوراً في الفترة المقبلة».
اختبار جديد للاقتصاد الإيراني، يحتم على الإدارة كما القطاع الخاص خلق سياسات تكيّف جديدة في إطار ما يطلق عليه هنا سياسة «الاقتصاد المقاوم». ويُعَدّ هذا الملف من أولويات تجاوز العقوبات الجديدة، خصوصاً أنه يستهدف قطاعاً هو من الأهم في البلاد نظراً للطلب الكبير الذي تفرضه الكثافة السكانية والمساحة الجغرافية التي تفصل كثيرين عن أماكن سكنهم، فضلاً عن أن إنتاج السيارات يشكل العمود الفقري لقطاع صناعي يراد له النمو لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على قطاع إنتاج الطاقة.