رفعت أخيراً السرّية عن محضر التحقيق الأولي الذي أجرته الاستخبارات الأميركية في سجن سرّي مع المشتبه فيه بتفجير المدمرة «يو أس أس كول» في اليمن عام 2000، عبد الرحيم النشيري. وتضمّن المحضر وصفاً مرعباً لأساليب التعذيب الوحشية المعتمدة والتي تغتصب الكرامة الإنسانية وتنتهك أبسط معايير القانون الدولي. لكن يبدو أن تلك الأساليب تشكّل مرجعية للاستخبارات في دول تحظى بدعم أميركي.

للتعرف إلى بعض أساليب التعذيب التي تعتمدها استخبارات الدول التي تحظى بدعم أميركي على مستوى التدريب والتجهيز و«التطوير» ننقل في النص الآتي ما ورد في محضر رسمي لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي) أُفرج عنه أخيراً، عملاً بقوانين الشفافية في الولايات المتحدة الأميركية، يوثق أساليب التعذيب التي تعرّض لها مواطن سعودي عام 2002 بعد القبض عليه في الإمارات العربية المتحدة والاشتباه في ضلوعه في هجوم استهدف مدمرة حربية أميركية في اليمن عام 2000. نُقل الموقوف إلى سجن سرّي علم لاحقاً أنه يقع في تايلاند.
وعلى رغم أن فقرات من التقرير تتضمن على ما يبدو فظاعات حُذفت منه بطلب من وكالة الاستخبارات الأميركية، فإن ما يرد فيه يصف ممارسات أقل ما يقال فيها إنها غير إنسانية.
يبدأ محضر التحقيق بوصف الاستجواب الذي تعرّض له عبد الرحمن النشيري بالعدواني (aggressive interrogation). وذكر المحضر أن المستجوِبين طلبوا منه تزويدهم معلومات عن عمليات تستهدف المصالح الأميركية في السعودية.
تصاعدت وتيرة عدوانية الاستجواب بسرعة بحسب المحضر، «من المرحلة اللفظية إلى مرحلة ربط عنقه بطوق ولطمه بعنف بالجدار (Walling technique)». وانتقل الاستجواب بعد ذلك إلى التعذيب بالإغراق (Watering technique). حُذفت من المحضر الفقرة التي تلي ذلك والتي تتضمن على الأرجح، وتيرة أكثر بشاعة وعنفاً وإذلالاً من جولات التعذيب. الفقرة الثالثة تضمنت تهديد الموقوف من خلال «إحضار علبة صغيرة» يجبر على المكوث فيها لأوقات طويلة، وقال له المحققون إنهم كانوا قد منحوه فرصة ليقدم معلومات «بطريقة لطيفة» لكنه لم يفعل، وبالتالي ينبغي الآن «أن يدفع ثمن ذلك»، وأضافوا بسخرية وهم يربطون عنقه بالطوق أن «الأمر لن يكون ممتعاً». وهنا أيضاً حذفت فقرة من المحضر. ولطم المحققون رأس الموقوف بالجدار لعدة مرات قبل أن يمسك أحدهم بعنقه طالباً منه عدم الكذب. حذفت بعد ذلك فقرة إضافية من المحضر. تكرر بعد ذلك لطم رأس الموقوف في الجدار لعدة مرّات بينما كان يسأله المحقق عما يعرفه عن عميات إرهابية يتم التحضير لها. ثم احضر «لوح المياه» وهو لوح من الخشب يقيّد المستجوب به ويغطى رأسه بقطعة قماش ثم تصب المياه بغزارة في فمه ما يعرضه للاختناق. ويتوقف صب المياه للحظات ليعود لاحقاً لعدة مرات وذلك لتمديد التعذيب من دون أن يفارق الموقوف الحياة.

كان الموقوف يرتجف من شدة الألم والبرد والخوف ويردد طلبه من الله بأن يساعده


بعد هذه الجولة من المعاناة والألم الشديد، قال النشيري إنه لا يذكر شيئاً عما يطلبونه منه من معلومات. فأمسك أحد المحققين بعنقه بقوة (the attention grab)، وقال له إنه «سيعاني جراء ذلك». تبع ذلك لطم رأس الرجل بالجدار لعدة مرات بينما كان المحقق يكرر توجيهاته بعدم الكذب ويكرر كذلك ذكر عدد من الأسماء طالباً من النشيري تقديم معلومات بشأنها. ولدى إجابة الموقوف بأنه لا يعرف شيئاً عن تلك الأسماء، لطم المحقق رأسه بعنف في الجدار لعدة مرات إضافية. وحذفت بعد ذلك فقرة من المحضر.
«تبيّن للمحققين أن هذا الأسلوب ليس ناجحاً فانتقلوا إلى أسلوب الإغراق (water boarding)». حذفت بعد ذلك فقرة واسعة من المحضر ورد بعدها أن الموقوف تُرك مقيداً بينما غادر المحققون في الساعة 11:27 الغرفة. عادوا في الساعة 11:47 عارضين على النشيري فرصة جديدة للإدلاء بمعلومات لمنع استمرار التعذيب. وأضاف التقرير أن «المحققين لن يسمحوا بأن يصاب الموقوف بضرر خطير (grave harm) لأنهم كانوا مصممين على الحصول على إجابات منه عن أسئلتهم». فطلب الموقوف منهم أن يساعدوه على استعادة ذاكرته. حذفت الفقرة التالية من المحضر. ثم ورد فيه أن المحققين صبّوا مياهاً باردة على صدر المستجوَب، وقالوا له إن إجابته غير مرضية، «فقال إنه يحاول فعلاً أن يتذكّر لكنه يعجز عن ذلك ولا يذكر أي شخص كان قد تحدّث معه بشأن هذه المواضيع. فقال له المحققون أنهم لا يصدقونه وطلبوا منه أن يقول لهم (حذف هذا الجزء) فنفى علمه بشأن مرتبط بـ(حذف هذا الجزء) وأجهش بالبكاء». قال أحد المحققين للموقوف إنه «يعلم بأنه شارك في التخطيط للعملية» (عملية استهداف المدمرة الأميركية في اليمن) وحذفت بعد ذلك ثلاث فقرات طويلة من المحضر.
«وعد الموقوف بعد ذلك بأن يدلي بكل المعلومات التي يعرفها مضيفاً أنه لا يعلم شيئاً»، فقال له المحققون (حذف هذا الجزء من المحضر)، وأعيد تعذيبه من خلال الإغراق والخنق.
غادر المحققون الغرفة بعد ذلك تاركين النشيري مقيداً ومقنّعاً، «وكان يشكي ويرتجف ويردد طلبه من الله بأن يساعده». كانت الساعة 12:16. عاد المحققون في الساعة 12:29 وبدأوا بشد الطوق حول رأس الموقوف «قائلين له إن كل ما عليه فعله هو إخبارهم بكل شيء» فوافق على ذلك وأضاف (حذف هذا الجزء من المحضر). وقال الموقوف إنه يريد التعاون لكنه لا يذكر المعلومات المطلوبة. وحلف بالله بأنه يتعاون فقال له المحققون إن لا فرق بالنسبة لهم حول كيفية جمعهم للمعلومات والتفاصيل منه. فطلب الموقوف مزيداً من الوقت ليتمكن من استعادة ذاكرته.
«المحققون يعتقدون أن لديه مزيداً من المعلومات فأعادوا تعذيبه بواسطة الإغراق والخنق في الساعة 13:40». لكن الموقوف «لم يكن صادقاً» في إجاباته وبالتالي كان المحققون «على استعداد لتكرار التعذيب لأيام ولأشهر إذا اقتضت الحاجة لحين تعاونه».
«بكى النشيري وقال إنه أخبرهم بكل ما يعرفه وتحدث عن عملية مضيق هرمز، فقاطعه المستجوِبون وقالوا له إنهم يريدون التعرف إلى أهداف أخرى، فنفى وجودها وطلب منهم تذكيره بما يريدون حتى يتمكن من استعادة ذاكرته».
«لكن المحققين رفضوا الإفصاح عن أية معلومات وقالوا له إنهم سيحتجزونه في العلبة الصغيرة» التي أُحضرت إلى المكان في مطلع الاستجواب لترهيبه. وأضاف المحققون أن على الموقوف أن يستعيد ذاكرته بعد خروجه من العلبة، فبكى متمنياً لو كان يذكر شيئاً». أزيلت قيود النشيري واقتيد نحو العلبة الصغيرة و«كان جسده يرتجف لا إرادياً وهو يزحف باتجاه العلبة التي حُشر فيها».
أخرج الرجل من العلبة الصغيرة في الساعة 12:50 ليجبر على انتزاع ملابسه ومن ثم أُعيد إليها عارياً في الساعة 12:52. نهاية المحضر السرّي.
«أمريكا الشيطان الأكبر»؟ استهجن البعض هذا الشعار الذي أطلقه الإمام الخميني إبان الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 للتأكيد على وحشية ممارسات الإدارة الأميركية. لكن ألا يدل ما يرد في المحضر الرسمي من ممارسات تنتهك أبسط الحقوق الإنسانية على ذلك فعلاً؟



تعذيب يراد منه تحطيم الإنسان
«إن الأذى الذي يعاني منه عبد الرحمن النشيري بسبب التعذيب الشديد الذي تعرّض له لا يمكن علاجه حيث أن المقصود منه كان كسره (to break him)» قالت أستاذة الصحة العامة في جامعة بوسطن الدكتورة سوندرا كروسبي بعد عرض عشرين موقوفاً عليها خلال العام الفائت من بينهم النشيري. وكان هؤلاء الموقوفون قد تعرضوا للخطف والاحتجاز والاستجواب من قبل محققين لمصلحة وكالة الاستخبارات الأميركية.
وأضافت كروسبي أن النشيري أخبرها عما تعرض له وما يعاني منه من آلام جسدية ونفسية عميقة. وختمت بالقول إنه «خلال عشرين عاماً من الخبرة في علاج ضحايا التعذيب في كل أنحاء العالم بما في ذلك سوريا والعراق والكونغو، يُعد النشيري أحد أكثر الأشخاص تضرراً من التعذيب الذي تعرض له».