يظهر البطريرك المسكوني برثلماوس في مُقدّمة المواجهين للكنيسة الروسية. لكن الدور الحقيقي في هذا المجال يؤديه «رجل الظلّ» المتروبوليت ألبيدوفوروس، أبرز المُعبّرين عن السياسة الأميركية للأرثوذكس في المنطقة. علاقاته مع الحكومات تمتد من أميركا وصولاً إلى تركيا مروراً باليونان وسوريا. صاحب نفوذ ويسعى إلى تولّي أبرشية أميركا الشمالية، تمهيداً لانتخابه بطريركاً، والسيطرة على باقي الكنائس الأرثوذكسية.

اختارت البطريركية الأرثوذكسية في القسطنطينية (مُمثلة حالياً بالبطريرك برثلماوس)، أن تتآخى مع سياسة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، وتؤدي دور «رأس حربتها» ضدّ الكنيسة الروسية. وتماماً كما تتعامل واشنطن مع الدول والأحزاب والمؤسسات «التابعة» لها، وجدت داخل البطريركية القسطنطينية من يكون «صقرها»: أسقف البطريركية المسكونية، متروبوليت منطقة برسا، ألبيدوفوروس. هو الذي يعتقد بأنّ «الكنيسة الروسية هي ابنة الكنيسة الأوكرانية، والأخيرة ابنة الكنيسة المسكونية». ويحرص في كلّ مقابلاته الصحافية على تظهير موقفه «العدائي» تجاه روسيا، ويُتهم بأنّه يقوم «باحتواء» كلّ المطارنة والأساقفة والأبرشيات التي تُحاول الانشقاق والتفلّت من سلطة كنيسة موسكو، مُستفيداً من دوره كمُنسق العلاقة بين «المسكونية» وسائر البطريركيات.
وُلد ألبيدوفوروس في باكيركوي (إسطنبول) عام 1967، لأمّ حلبية - كردية وأب يوناني - تركي. دراسته في جامعة البلمند اللبنانية لأقلّ من سنة ساعدته في تعلّم اللغة العربية. تخرّج من قسم اللاهوت الرعوي في جامعة أرسطو - سالونيك (اليونان) عام 1991، قبل أن ينال بعد عامين شهادته في الدراسات العليا من المدرسة الفلسفية في جامعة بون (ألمانيا). وفي الـ2001، نال درجة الدكتوراه من سالونيك. شغل مناصب كهنوتية عدّة: عضواً في لجنة الإيمان والنظام في المجلس العالمي للكنائس منذ عام 1996، أمين سرّ مجالس السينودس في صوفيا (1998)، إسطنبول (2005)، جنيف (2006)، وإسطنبول (2008)، الأمين العام الأرثوذكسي للجنة الدولية المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الأرثوذكسية والاتحاد اللوثري العالمي، عضو في الوفود البطريركية إلى الجمعيات العامة لمؤتمر الكنائس الأوروبية والمجلس العالمي للكنائس.
عاد اسم ألبيدوفوروس إلى الضوء أخيراً، في تقارير منشورة على مواقع إلكترونية أميركية تُحرّكها مجموعات الضغط الأرثوذكسية هناك، عن أنّ ألبيدوفوروس يقف خلف كهنة أرثوذكس ورجال أعمال وسياسيين أصحاب نفوذ، لدفع رئيس أساقفة أميركا الشمالية ديمتريوس إلى الاستقالة. في الوقت نفسه، يُتهم «الفانار» (أي مقرّ البطريركية المسكونية في تركيا) بالتحريض وإشعال أزمة في أبرشية أميركا الشمالية. المُستفيد من هذا الحراك، ليس سوى ألبيدوفوروس، الذي تُعوّل عليه الإدارة الأميركية «للسيطرة على رعايا الكنائس الأخرى، ولا سيما تلك التابعة للبطريركية الأنطاكية. لغته العربية ستكون عاملاً مُساعداً». وتُفيد التقارير بأنّ ألبيدوفوروس سيتمكن من تحقيق أهدافه بسبب «علاقاته الجيدة مع أصحاب النفوذ في تركيا والولايات المتحدة الأميركية على حدّ سواء». لكنّ طموح الأسقف لا يتوقف عند أبرشية أميركا الشمالية، بل يُريدها أن تكون «قاعدة ينطلق منها إلى انتخابات رئاسة الكنيسة المسكونية. فإذا نجح ألبيدوفوروس في إطاحة ديمتريوس، سيفعل الأمر نفسه مع البطريرك برثلماوس». ويستفيد متروبوليت منطقة برسا من الاتهامات الكثيرة بحقّ برثلماوس «كإفساده علاقات الفانار مع السلطات التركية، وما يُحكى عن دور له في محاولة الانقلاب على إردوغان عام 2016»، علّها تُسرع في قرار تقاعد البطريرك المسكوني وإحلال ألبيدوفوروس مكانه «الذي يتباهى بعلاقة ممتازة مع تركيا». لكنّ مشكلته وجود «علامات استفهام عدّة حول علاقاته الجيوسياسية».
أحد المُقربين من ألبيدوفوروس ينفي في حديث مع «الأخبار» أن يكون للأسقف أجندة سياسية، «فهو رجل دين علاقاته جيدة مع الجميع». يقول ذلك ليُبرّر تواصله مع «الحكومات التركية واليونانية وغيرها، وليس فقط مع الإدارة الأميركية كما يُتهم. حتى في سوريا، لديه علاقات جيدة جداً». وينفي أن يكون ساعياً إلى السيطرة على رعايا الكنيسة الأرثوذكسية الانطاكية في أميركا، «علاقته بانطاكية جيدة لأنّ أمه من حلب، ولديه مشاعر قوية تجاه سوريا والمنطقة»، ولكن لا يُلغي ذلك أنّه «أحد المُرشحين إلى ترؤس مطرانية أميركا الشمالية».
ويُخبر المُقرّب كيف أنّ الكنيسة في أميركا الشمالية «مُهمة جداً بالنسبة إلى القسطنطينية»، فجماعة المؤمنين هناك «قوية ومُنظمة جداً، ومستوى الإيمان مرتفع»، إضافةً إلى وجود «لوبي يوناني - أميركي قوي، يقوده طبيعياً مطران أميركا التابع للبطريركية المسكونية. لذلك، كنيستنا مؤثرة جداً في الولايات المتحدة».
ما ينقله المصدر المُقرّب من ألبيدوفوروس عنه، يؤكدّ ما نشره موقع «Güneş» التركي عن أنّ وكالة الاستخبارات الأميركية تُصدر تعليماتها للمسؤولين في البطريركية القسطنطينية، «المُتهمة بتهريب رجل الدين فتح الله غولن من تركيا إلى واشنطن»، بحسب الموقع. فإذا كانت الكنيسة في أميركا الشمالية على هذا القدر من النفوذ، فمن الطبيعي أن يكون التنسيق مع السلطات الأمنية والعسكرية والسياسة الأميركية مُتقدماً. «بالتأكيد غير صحيح» يردّ المصدر، مؤكداً أنّ من يُصدرون هذه الاتهامات «هم أنفسهم أصحاب دور سياسي والعلاقة مع تركيا في عهد إردوغان أفضل من أي وقت مضى».