موسكو | عاد الرئيس فلاديمير بوتين إلى خيار الترشح، مستقلاً في الانتخابات الرئاسية بعدما كان مرشحاً باسم حزب «روسيا الموحدة» في انتخابات عام 2012، وهو خيارٌ كان قد اعتمده في عامي 2000 و2004.

«الانفصال الحبي» بين فلاديمير بوتين وحزب «روسيا الموحّدة» في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لا يعني إطلاقاً أنّ الطرفين سيسلكان خيارات متباعدة، فبوتين الذي أسس الحزب عام 2001، بتوحيد حركتَي «الوحدة» و«الوطن ــ روسيا كلها»، سيعتمد على «روسيا الموحدة» الذي يسيطر على الدوما في دعم الخطط التي سيعمل الكرملين على تطبيقها في السنوات الست المقبلة.
وبالرغم من قرار بوتين، إلا أن «روسيا الموحدة»، أعلن تأييده المطلق له كمرشح «مستقل»، حتى إن الرئيس الروسي شارك في مهرجان موسيقي انتخابي نظمه الحزب دعماً له في ملعب «لوجنيكي» في بداية الشهر الحالي، وعمد فيه بوتين إلى التشديد على استخدام «معاً» و«نحن» في حديثه عن أنه والحزب لديهما «أهداف واضحة ونبيلة. نريد أن نجعل بلدنا لامعاً يسعى إلى التقدم باتجاه المستقبل».
ينطلق بوتين من خياره للترشح مستقلاً من أرقام استطلاعات الرأي التي أكدت في السنوات الماضية أن شعبيته بين المواطنين الروس مرتفعة وتصل إلى حدود 80%. من هنا، يمكن فهم خيار بوتين بألّا يكون مرشحاً لحزب بعينه، وإن كان حزبه، وهو عبّر عن ذلك بالقول: «آمل بدعم شعبي واسع لترشحي، وأن يدعمني المواطنون الروس بشكل واسع. كما آمل أن تدعمني القوى السياسية التي تثق بي وتشاركني الرأي حول مستقبل تطور البلاد».
موقف بوتين لاقى تأييداً من زعيم حزب «روسيا الموحدة»، رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، الذي قال: «كقوة سياسية مسؤولة، نحن نفهم أنه في الوضع الراهن القرار الصائب لفلاديمير بوتين هو الارتكاز على أكبر شرائح الشعب الروسي، وهذا أمر لا يتطلب تمثيلاً حزبياً». ويضيف ميدفيديف «بوتين هو من يوحد أشخاصاً مختلفين تماماً، يوحّد روسيا. وهو من ينعم بثقة أغلبية شعب بلادنا».
بدوره، رأى النائب في كتلة «روسيا الموحدة» البرلمانية، أندري أيسايف، أن قرار بوتين ينبع من «المصلحة السياسية» لأن الرئيس هو «القائد بلا منازع»، ويتمتع بدعم القوى السياسية الأخرى، وليس فقط حزب «روسيا الموحدة».
وبالرغم من هذه المواقف، إلا أن بعض المراقبين يرون أن الخطوة تأتي في سياق خطط الرئيس لمكافحة الفساد الذي يعتبر «آفة تعيق تقدم البلاد»، ولذلك فهو قرر الابتعاد مسافة عن «روسيا الموحدة» الذي توجه اتهامات لأعضائه بتعميق الفساد في مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، أكد الخبير البارز في «المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية»، أجدار كورتوف، أن لدى «بوتين وأقرب مساعديه هدفاً وهو إصلاح النظام السياسي والحزبي. وهذا أمر ممتاز لأنه وبصراحة، الأحزاب في روسيا لا تتمتع بثقة الشعب». ويضيف كورتوف: «بحسب الدراسات، فإن الثقة ببوتين كقائد هي أعلى بكثير. لذلك فإن قراره (أي بوتين) بالترشح للانتخابات بشكل منفصل عن حزب روسيا الموحدة ينبع من إرادته بنيل أغلبية أصوات الناخبين ويهدف إلى أن يكون قائد الأمة وليس مرشحاً من قبل قوى سياسية محددة».
بدوره، قال مدير جامعة «الدراسات السياسية»، سيرغي ماركوف، في تصريح صحافي، إن «شعبية حزب روسيا الموحدة هي أقل من شعبية الرئيس فلاديمير بوتين». ويوضح ماركوف أن حزب «روسيا الموحدة» اليوم «يفقد الشخصيات المهمة والنافذة، غالبية من في الحزب اليوم هم من الأناس الرماديين، وخصوصاً على المستوى المتوسط»، لينهي حديثه بسؤال «لماذا يحتاج الرئيس إلى أحزاب لا تريد أن تفعل شيئاً؟».
أما أندريه كوليسنيكوف، مدير برنامج «السياسة الداخلية الروسية والمؤسسات السياسية» في مركز «كارنيغي» في موسكو، فشدد على أن خيار بوتين ينبع من رغبته في تعزيز صورته كرئيس لكل الروس، وليس لفئات محددة فقط. وقال كوليسنكوف في حديث إلى «الأخبار» إن «حزب روسيا الموحدة حزب السلطة الذي يفتقر إلى هوية واضحة وإلى التأثير والكاريزما. بوتين فقط هو قوته الوحيدة».

أداة الكرملين؟

يعدّ حزب «روسيا الموحدة» القوة المتحكمة بمفاصل المؤسسات الحكومية الأساسية، فرئيسه ديمتري ميدفيديف يرأس الحكومة، كذلك يسيطر على غالبية مقاعد الدوما منذ عام 2003، ويهيمن على البرلمانات الإقليمية، ويشارك بنشاط في أعمال هيئات الحكم الذاتي المحلية، وله انتشار واسع على كل الأقاليم الروسية.
يؤكد الحزب أن برنامجه يتطابق مع النهج الاستراتيجي للرئيس فلاديمير بوتين أو ما يعرف بـ«برنامج بوتين» الهادف إلى الحفاظ على وحدة أراضي روسيا واستقلالها، وتطويرها لتصبح دولة عظمى ذات سيادة، معيداً إلى الأذهان أن الرئيس اضطر إلى إخراج البلاد من الأزمة العميقة التي وقعت فيها بعد الإصلاحات الليبرالية في التسعينيات من القرن الماضي وأزمة عام 1998 الاقتصادية.
وعمل الحزب الذي يصف نفسه على أنه حزب «وسطي ذو توجهات اجتماعية محافظة»، على تنفيذ خطط ومشاريع هدفت إلى «تحسين نوعية حياة السكان، وعمل على التنمية الاقتصادية الديناميكية، وإنشاء منصات فكرية للنقاش العام الواسع»، وفق ما يقول على موقعه الإلكتروني.
انطلاقاً من ذلك، يعتبر البعض أنّ الحزب يُشكِّل أداة الكرملين التنفيذية ويده الطولى في المجتمع، وهو ما يوافق عليه أندريه كوليسنيكوف، الذي رأى أن الحزب «إحدى أدوات الكرملين على الأرض». ويضيف كوليسنيوف، في حديثه إلى «الأخبار»، أن الحزب له دور يؤديه «كمنظمة داعمة للكرملين تعمل على تعزيز صورة بوتين في المجتمع، وتسويق الخطط التي يقوم بها، وحشد رأي عام داعم له للقول إن المواطنين الروس يؤيدون الرئيس».
من جهته، يرى النائب الأول لرئيس «مركز التقنيات السياسية»، أليكسي ماكاركين، أن حزب «روسيا الموحدة لم يتجاوز دوره كحزب السلطة، ودوره الأساسي كحزب أداة، ورافعة استخدمها الكرملين في سياساته الانتخابية وفي علاقاته مع الناخبين».
ولكن هل العلاقة بين الطرفين هي علاقة «تابع بمتبوع»، أو يحكمها هامش من الاستقلالية في القرار؟ في هذا السياق، يؤكد ماكاركين أن العلاقة محكومة بما يرى فيه الكرملين «ضرورة للدولة»، ويضيف أنه رغم سيطرة «روسيا الموحدة» على الدوما وتصويت ممثليه على قضايا ذات أهمية سياسية وفقاً للموقف الذي يريده الكرملين، فإنّه يحصل في بعض الأحيان تغيير في الموقف بشكل كامل، ما يضع الحزب في وضع غير مؤاتٍ في نظر المجتمع. ويعطي مثالاً على ذلك ما حصل في عام 2009، عندما صوّتت كتلة الحزب في مجلس الدوما في ثلاث قراءات على مشروع القانون، الذي لم يحظَ بشعبية حينها، لزيادة الضريبة المفروضة على سائقي السيارات، لكن بعد ذلك قرر الكرملين أن إمرار القانون كان خطوة محفوفة بالمخاطر. لذلك رفض مجلس الاتحاد مشروع القانون (هذا يحصل في حالات نادرة جداً).
كذلك عمد الكرملين إلى مراجعة ما تم إقراره في عهد الرئيس السابق، ديمتري ميدفيديف. فمثلاً، صوّت الدوما في عام 2011 على قانون لإزالة مقالات عن التشهير من القانون الجنائي، ولكن في صيف العام التالي تبنى الدوما مشروع قانون معاكس.
كذلك كان هناك تمايز واضح بين رغبات الكرملين والحزب، ففي انتخابات حكام الأقاليم في عام 2012، وعلى الرغم من أن القانون يجيز للحزب تسمية قائمة بأسماء مرشحيه وعرضها على رئيس الدولة ليختار من بينها، ثم تتم الموافقة على المرشح من قبل البرلمان الإقليمي الذي يسطير عليه تلقائياً «روسيا الموحدة»، فإنّ القرار اتخذ تلقائياً من الكرملين دون العودة إلى الحزب.