تلك الأعجوبة التي بنى عليها كلّ مَسيحٍ معجزاته: اللمسة. هي إيمان توما إصبعاً على الجرح، شبق «هيتَ لَك»، نغماً في حنجرة وبين الشفاه، لغز القُبَل. هي سحر التقاء يد بيد مرة أولى، تنسى عندها المُهجُ في دفءِ الأكُفّ، فتمتَزِج. «في حُبّ اللَّمس»، واحد من مُنطلقات معرض استعادي تشكيلي صاغته القيّمة سيلفيا عجميان في «غاليري صالح بركات»، لتجربة نصف قرن من أعمال عفاف زريق. فيلحّ السؤال: كيف يرى أولئك الذين لا يغمضون أعينهم؟ بل كيف تبصر قلوب أولئك الذين لا يَلمُسون؟

زيت، فحم، مواد مختلفة، مائيات، على قماش أو ورق أو أخشاب طافية وأكثر: 120 عملاً من مختلف المراحل الفنية في مسيرة زريق تُعرض للرّائين تحت عنوان: Return Journeys (ما ترجمته التقريبية في غياب أي نص عربي «رحلات العودة».

«ظلال» (فحم وباستيل مذوبان في الماء ضمن بنية بليكسيغلاس ـــ 15 × 11.5 كل واحدة)

عن جدّنا الحسين بن منصور الحلّاج، قال: «أَلقاهُ في اليَمّ مَكتوفاً وقالَ لَهُ... إيّاكَ إيّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالماءِ!». كيف السبيل إلى الغوص في يمّ الرغبات دون بلل؟ فاللمس وحده هو الإباحة و«اللا لَمس» أصل المحرّمات! وهذا المعرض: مطر. «إن كنتم تريدون أن تلمسوها، هي إذا لوحة جيّدة. الموضوع كله مرتبط باللمس!» تقول لنا عفاف زريق، ثم تأخذنا في رحلة بين الأعمال، ننسى... فنتذكّر. ننتمي لإنسانية أجسادنا وهواجسنا، بكل ما فيها من حب وغضب، بكل ما فيها من فرح وأسى، شَغف وعنف، شبق واستسلام، من نشوة وإحباط، حتى من حرب وسلم. وصولاً إلى «الطمأنينة» آخر مجموعات أعمالها. فالتوازن المرئيّ هنا نتاج شدّ وجذب مهول في أعمال تكاد تؤرشف لسيرورة جسدٍ ونفسٍ إنسانية، بشفافية نادرة. تمشي بنا تصاعدياً. بتقنيات صاخبة الهدوء، كإيقاع قلم رصاص على تقميشة اللوحة، بكل ما تشي وتُنبئ من تخبطات سابقة أو لاحقة، أو كمشح الزيت لوحةً، معمودية للذات، قبل البَوح. هنا أنت ونفسك أمام نفسك. تقرُبُ المسافة وتبعُد بحسب دقاتِ قلبك، ونبضِ الريشة وحركة القلم. قد تستعيد من تاريخ الفن شريحتين واضحتَين هُما التجريد الحسيّ الإيحائيّ، والبُقعيّة بتجريبيتها التعبيرية التي التقصت - رفيقة أُنسٍ- بفنّاني ما بعد الحروب، وعفاف زريق منهم. هنا تُعيدُك ذاكرتُك البصريّة مباشرةً إلى أعمال الكبير هانس هارتونغ (1904-1989)، فالخطُّ كما الإمّحاءُ حاضران على المساحة المسطّحة بقوة. لكن مع زريق، تستنبط المعاني من ذاتِك، من سيكولوجيا مسيرتك العاطفية، الجسدية وحتى الفكرية أو اليوميات. هو عرض بصريّ بنكهة سينمائيّة توثيقية لتاريخك، جسدك، حسك، لمسك، وقد يجوز القول همسك... من سيرة الجسد شبه التأريخية المتأرجحة بريح العاطفة والحس، إلى مخملٍ بصريٍّ يدعوك للاقتراب، ورخام سِلمٍ بعدَ معاركَ مع النفس في أحلك مظاهرها. تخبر عفاف كل شيء. «لوحتي أرسمها من الداخل إلى الخارج» تقول لنا، بحركة يد تنطلق من جهة القلب نحو الأفق. ثم تعود بنا الذاكرة البصرية إلى المعلّم «وُلز» (ألفرد أوتّو فولفغان شولتز 1913- 1951)، تحديداً إلى تلك الأعمال الخالدة من الحفر والطباعة بخيوطها السوداء الرقيقة، وتأليفاتها المتينة. كما نستحضرها بعفويّة لمزاج الرسم الذي تطلقه زريق في بعض أعمالها من التسعينيات، فيغدو اللون مهداً لأرجوحة الخط السارد، المؤطّر للحدث. كأن ترسم بأطراف العيدان قصة منزلها المهدوم، وكيف كبرت كشخص، كامرأة، فتصبح الأجساد مناظر طبيعية. «وفي الحقيقة هذه ليست فكرتي بل فكرة سيزان، برسمه مون سان فيكتوار. كنت أود أن أصنع نسختي من سيزان!» تقول زريق، بصدق طفلة تحاكي الأخشاب الطافية قرب البحيرة. تأخذها إلى البيت تكلّمها، وتضع لها الموسيقى. «نعم، كنت أجد في كل منها الكثير من احتمالات الحياة!». ثم تشرح: «كأن نتذكر القديس جاوورجيوس والتنين -عبر هذه الخشبة الطافية- أو عصفوراً في تلك. هي طريقة في النظر إلى الكون، وكيف أن كل شيء هو جزء من كل شيء! وقد يحوي كل شيء».
يشرح صالح بركات عن عمل زريق: «قد نمرّ بمراحل مختلفة في علاقتنا بأعمال عفاف زريق. نغرم بعمل ثم بعد حين نقول لا، ذاك ما نحبه أكثر. الأعمال هذه عميقة، ومتعددة الطبقات. نكتشفها كلّما تعمّقنا فيها. هو من المعارض القليلة التي نقيمها لهواة نوع من الفنانين، والأعمال هذه من النوع الذي يتذوّقه الكل نعم، لكنه للفنانين بشكل خاص. هنا لا بد من الإشارة إلى أن النص بأهمية الصورة! الشعر الذي تكتبه عفاف، بأهمية النص البصري». ومع تمديد المعرض إلى مطلع آذار (مارس)، سوف تقرأ عفاف بعضاً من أشعارها ختاماً. «إنها خلاصة تجربة 40 سنة، كي تصل إلى هنا! هذه أعمال تحتاج إلى تراكم مهول» يقول بركات، ليضيف عامر طيسون، مقتنٍ شاب، محب ومتابع دقيق للفن: «نجد هنا مسيرة حياتها، وحياتنا. إن درجة التخبط والشكوك والتساؤلات التي يعيشها جيلنا.
بسبب ما يحاصرنا من حياة رقمية، وإمطارنا بالمعلومات، يصبح داخلنا أكثر ضجيجاً. نخفيه، فيزيد الصخب. وهنا أهمية ما قالته عفاف بطريقتها الدقيقة وعبرت عنه رسماً وشعراً بأنها لم تتخطَّ هذه الحالة إلا بعدما واجهتها وعبرت عنها ورسمتها. أشعر أن مجتمعنا وبالأخص كلبنانيين، يجب أن يواجه الواقع والحقيقة، كلٌّ على طريقته. وعفاف نموذجاً. هذه الأعمال محفزة، مثلاً، عندما نقرأ معها نص «الخوف» ونرى العمل الفنيّ المرافق. ففي اللحظة التي نتكلّم فيها مع عفاف، نشعر أن هناك ما هو أبعد بَعد».
يؤكد بركات منطق البُعد الآخر في أعمال زريق. البُعد المحفّز للمواجهة، التي تخلق توازناً، ومنها وعلى أساسها بني كل شيء في الكون. «هو هذا الصراع بين الأبيض والأسود، لأجل التوازن. فالأمور مختلطة في الحياة وفيها كل شيء، كي يتم هذا التوازن بالذات أو فلنَقُل الدُوزان». هنا تعلّق عفاف: «لا بأس أن نمرّ بأوقات عصيبة، من الهامّ أن نواجه ضعفنا وهشاشتنا. أن نقرأ الجزء المظلم فينا، أو في الدنيا. أي شيء. أن نفقد التوازن ثم أن نُسائل. كلها أمور طبيعية». والمهم أن منظار زريق للتشكيل الفنيّ يتوافق مع هذا المنطلق أيضاً: «أشعر أن الفنان والعالم هما مرايا يتواصلان مع بعضهما!» تقول لنا. فهذا المعرض الذي يشبه التنفُّس، موتاً وحياة، إنما يعكس كمرآة كل ما يصل إليها. فلا يحذف نوراً ولا يخفف ظلمة، بل ينقل بأمانة كل ما يصله من حالات الكون وحالات النفس الإنسانية. «إننا نعيش في العالم العربي ولا إمكانية للهروب من الواقع. لكن هناك أيضاً واقعنا الشخصي مضافاً إلى واقع الحال في العالم العربي. وهذا مهم جداً. نعم، إن كل الناس يتكلمون في السياسة. طيب، لكن نحن أناس، نحن بشر! نحن نخاف، نعم نخاف، نصلي نحزن، نغضب، نقهر، نحب.
يضم المعرض 120 عملاً من مختلف المراحل الفنية التي مرّت بها

هذا ما يصنع منا إنساننا. أقولها طبعاً انطلاقاً من تجربتي الشخصية. فقد عشت في عائلة ذات طابع خاص فكرياً وثقافياً، ولديهم الكثير من الطموحات. أبي (قسطنطين زريق) وأمي كانا دائماً يتطلعان للمستقبل، وأنا طبعاً ممتنة لهما، لكنني كنت محظوظة وغير محظوظة في آن بسبب ذلك، خاصة أن الحياة العاطفية عندي طغت على كل شيء. والمهم أن كل الناس عندهم هذا الجزء الجوهري في حياتهم. أقول جوهريّاً، لأنني أعتقد أنه الشيء الوحيد الذي سيقرّبنا من بعضنا. هذا الجزء العاطفي الإنساني. وأنا هنا لا أبشر ولا أتفلسف، وإنما هو الجزء الذي سمح لي أن أنجو. كل شيء يأتي من الداخل إلى الخارج. لا العكس بتقديري» تختم زريق.
لكن المعرض الضخم شبه الاستعادي، بلوحاته الـ 120، بكل شبقه وشغفه وصخبه وتخبطاته وصولاً إلى طمأنينته، كان يحتاج لرؤية قيّمٍ يحمل في مخزونه تاريخ الفن في منطقتنا، ليكتمل. فكيف تم ذلك؟ «من الصعب جداً تعليق هكذا معرض، خاصة أنه يضم مراحل كثيرة غير كرونولوجية. وحدها الكبيرة سيلفيا عجميان كانت قادرة على إنجاز مماثل. هذه السيدة التي برأيي تستحق أعلى درجات التكريم والاحترام، لما هي ولما قامت به في الحياة الفنية في لبنان، كانت وحدها القادرة على تنظيم المعرض. كانت لدي ثقة عمياء بالنتيجة!» يقول بركات، فيما تخبرنا عفاف بكثير من المحبة: «سيلفيا وأنا أعز الأصحاب. هي تفهم ليس فقط في الفن وتاريخه، بل في الأدب والموسيقى والفلسفة، في كل شيء. وعندما جاءت فكرة المعرض الاستعادي، لم يكن في بالي شخص يستطيع أن يقوم به سوى سيلفيا».

* Return Journeys: حتى 11 آذار (مارس) ــ «غاليري صالح بركات» (كليمنصو ــ بيروت). للاستعلام: 01/365615