باريس | أقضي يومياً ساعةً ونصف الساعة صباحاً ومثلها مساءً في الطريق إلى العمل ومنه، ساعاتٌ ثلاثٌ طويلةٌ لولا اللوحات الإعلانية التي تكسر رتابة الطريق وتتبدل بشكل دوري. رغم موقفي السلبي من المعلنين واستراتيجياتهم الملتوية في المجتمعات الاستهلاكية التي أضحيناها، إلا أنه علي أن أعترف كي أكون منصفة أنّ طريقي اليومية باتت فسحتي الخاصة للاطلاع على ما تستضيفه صالات العرض في باريس من فنون متنوعة. لقد أكسبت العاصمة الفرنسية بالفعل صالاتها قبساً من أنوارها التي لا تخبو على مدار العام. كذلك، كانت ترنو إليّ وتناديني أغلب العروض التي هُيئت لي الأسباب لحضورها منذ تشكّل وعيي لقيمتها، فتخرجُني بندائها من عزلتي الاختيارية ضمن أفكاري وموسيقاي المتنقلة على طول ساعات الطريق الثلاث، حتى بتُّ على يقين أنها هي من كان ينتقيني، لا العكس أبداً، لأسبابٍ وإن جهلتُها آنياً، إلا أنه يعزّ عليّ أن أعزوها للصدفة والعبثية.

لم يكن العرض المسرحي الذي حضرته الأسبوع الفائت استثناءً. إذ اعترض طريق عودتي ليلاً اسم «وجدي معوض». ظننت لوهلة أني ما زلت تحت تأثير اللاوعي. إذ تناول مقالي الأخير عرضه المسرحي «الكل عصافير» («الأخبار» 4/1/2019 ـــ «وجدي معوّض: «الكل عصافير»... فمَن هو «الخائن»؟) وهاجمتُ فيه وقوعه هو الآخر في فخ أنسنة العدو تحت شعار «الانفتاح على الآخر». أعود عشرين متراً إلى الوراء لأتحقّق.
لم أكن واهمة، إذ ها هو يعلن عن إعادة عرض عمله السابق «وحيدون» بعد عشرة أعوام من انطلاقته الأولى عام 2008. وحيداً على خشبة المسرح، سيشاركنا معوض على مدى ساعتين من الوقت فوضى جوارحه وأسئلته الصارخة ويجيب على بعضها في الآن عينه من خلال إضاءات على أحداث ووقائع مفصلية في حياته أثّرت به وجعلت منه ما هو عليه اليوم. يتنبّه جانب شخصيتي الشغوف بالبحث، وإن لم يكن قد تسنّى له أخذ قسط من الراحة عقب نهار عمل طويل، وتساورني رغبة في الغوص في خبايا شخصيةٍ كانت خياراتُها مرمى سهامي وموضوع كتابتي.
ما اسمُك؟ يجيب: اسمي حروان، لكن هذا ليس مهماً، إذ كان من الممكن أن أحملَ أي اسمٍ آخر..
حروان شاب ثلاثيني، على وشك تسليم أطروحة الدكتوراه في علم اجتماع المُتخيَّل في جامعة مونريال، باستثناء أنه لم يجد لها النتيجة والخاتمة المناسبتين. بعد الكثير من التنقلات، حطّ به رحال سؤال: «ماذا تريد أن تعمل في المستقبل؟» عند جواب: «مُدرس جامعي»، انتقل حديثاً إلى مسكن جديد. لم ينته بعد من إفراغ أغراضه الشخصية من الصناديق، ولا من طلاء الجدران، رغم إلحاح أخته «ليلى» عليه في هذا الخصوص في كل محادثة هاتفية له معها (تؤدي صوتها نايلة معوض، شقيقة وجدي معوض)، إضافة إلى إلحاحها الأشد أن يختار لوناً، أو ربما ألواناً عدة، لطلاء الجدران بدلاً من خياره التقليدي أن يكون لونها أبيض. كما لا يخفى صراع الأجيال في كل محادثة هاتفية له مع والده الذي لا ينفك يعامله كأنه ما زال طفلاً صغيراً.
على أنغام خليط موسيقي وثقافي، غربي وفيروزي في آن، وفي مزيج من عدم الاستقرار المكاني والعائلي والمهني هذا، وما ترافقه من قلقلات نفسية وخيبات عاطفية، يرِده نبأ سفر «روبرت لوباج» الذي كان حروان ينوي إجراء لقاء معه لاستكمال ما ينقص أطروحته من معلومات. ليس أمام حروان سوى اللحاق به على وجه السرعة حيث ذهب إلى سان بطرسبورغ الروسية، فالوقت يداهمه. على وقع صراخ والده على الهاتف، يلغي زيارته الموعودة له في اليوم التالي، وينقطع الاتصال بينهما مع كلمات حروان الساخطة من اتهامات والده المتكررة بعدم احترام وعوده وخاصةً تجاه أسرته.
لدى حروان أيام معدودة ليرتب لسفره الخاطف إلى نصف الكرة الأرضية الآخر، يهيّئ كل شيء تباعاً من حجوزات الطائرة والفندق، إلى طلب تأشيرة الدخول اللازمة إلى روسيا، ولم يتبق له سوى انتقاء الصورة الشخصية المناسبة لإرفاقها بالطلب. لعل هذه المهمة هي الأصعب، إذ تتطلب منه البحث في ملفات صوره وما يرافق ذلك من ذكريات منسية قد تعود في قدمها إلى الطفولة المبكرة. أفضل طريقة للخروج من هذا المأزق هو الهروب، وكذلك فعل حروان. إذ خرج من هذه المتاهة لأخذ صورة شخصية جديدة في إحدى الحجرات الآلية المخصصة لهذه الغاية والمنتشرة على امتداد المدينة. قد تبدو العملية بسيطة ما خلا ضرورة الاستماع إلى التعليمات الصوتية المرافقة والإذعان لها بكليتها للحصول على صورة مطابقة للمواصفات. وفي لحظة التقاط الصورة، وما يسبقه من إنذار صوتي، يرن هاتف حروان: إنها الشرطة تبلغه أن والده تعرض لجلطة دماغية، وهو الآن في العناية المركزة.
يقضي حروان الليلة الأخيرة قبل سفره بجوار سرير والده ملبياً طلب الطبيب بملازمته والتحدث إليه بلغته الأم، علّ ذلك يساعده على الخروج من غيبوبته. لكن أي لغة تلك التي أفقدته إياها الأيام؟ لغة وإن كان لا يزال قادراً على فهم بعض مفرداتها البسيطة المحكية مما واظب والده على تكراره طيلة السنوات الفائتة، إلا أنه عاجز تماماً عن النطق بها، تماماً كعجزه في طفولته المبكرة عن النطق بكلماته الأولى، حتى استشار والداه طبيباً لشدة قلقهما. يومها كان ردّ الطبيب أن طفلكما لا يتكلم لأنه ليس لديه ما يقوله.
ينطلق حروان في الليلة التالية في سفره المقرر إلى سان بطرسبورغ. وحين وصوله إلى الفندق، يصله اتصال يعلمه أن «روبرت لوباج» اضطر لمغادرة روسيا على وجه السرعة واتجه عائداً إلى الولايات المتحدة ثم كندا. يكتشف حروان أيضاً أن الحقيبة التي حملها معه من المطار ليست خاصته، كأن الأقدار لم تسأم من معاكسته. يرده اتصال من أخته ووالده يخبرانه فيه أنّ الأخير تعرض لحادث أثناء وجوده في جهاز التصوير الآلي، وأنه في العناية المشددة. وقد طلب الطبيب منهما الجلوس بجواره والاستمرار بالتحدث إليه بلغته الأم ليساعدوه على الخروج من غيبوبته. يفتح حروان الحقيبة التي هي كل ما بحوزته، فإذا بها ممتلئة بعلب الألوان وطلاء الجدران. وعلى مدى عشرين دقيقة متواصلة، يملأ حروان كل شبر من جسمه ومن خشبة المسرح وجدرانه الثلاثة بكل الألوان في مشهد سوريالي تتخبط فيه الجوارح والحواس تحت وطأة الذاكرة، إلى أن انتهى به المشهد مستلقياً على ظهره على الأرض، يعد النجوم والشهب في السماء، بالفرنسية أولاً ثم بالعربية. نعم، لقد تذكر.
ليلة واحدة تعود بنا عُمراً كاملاً إلى الوراء بعد نفض الغبار عن الذاكرة وإزالة ما علق منه في أخاديد اللاوعي. تظهر اللغة المنسية منذ زمن بعدما دُفنت تحت طبقات وطبقات من التراب. تلك اللغة التي تنحت تاركةً مكانها شاغراً لتحل فيه وتملأه اللغات المكتسبة في مراحل لاحقة من الحياة، كما تظهر العوالم المنسية رغم دورها في تكوين الشخصية والهوية: الأصول من بلدة دير القمر الشوفية، الطفولة المبكرة في بلد يقف على مشارف حرب أهلية مدمرة، النشأة والثقافة الفرنكوفونية التي رَبَت بعد هروب العائلة من الحرب المستعرة إلى أن انتهى بها المطاف في مقاطعة كيبيك الكندية. عبر الإمساك بهذه الخيوط مجتمعة، تمكّن وجدي معوض من استحضار الطفل الذي كانه والذي رحل آخذاً معه كل ما يفتقده اليوم. هذا الطفل الذي كان عالمه السماء بما فيها من نجوم وشهب شغل لياليه بِعَدّها. رحل بعدما سقط أحد هذه الشهب في حديقة منزلهم في جبل لبنان، وبدل أن يحمل معه أمنية محققة، أخذ معه والدته وذهب.

عناية دقيقة بالمؤثرات والمقاطع السمعية والبصرية عزّزت الأداء والنصّ


رغم أن العمل كان قائماً على شخصية واحدة يؤدّيها ممثل واحد، إلا أن العرض ارتكز في الآن عينه إلى عناصر حيوية عدة لا يكتمل إلا باكتمالها. الظلال والأنوار، المؤثرات والمقاطع السمعية والبصرية، الأجواء وحيدة اللون ثم متعددة الألوان، هذه العناصر المخرَجة بدقة وعناية الحرفيين تخطت كونها مدعمات إضافية كما هي الحال في العروض المسرحية التقليدية، لتكافئ هنا بأهميتها الركيزتين الأساسيتين في أي عمل مسرحي، وهما الممثل والنص وما بينهما من علاقة، وتتغلغل بعمق في هيكليتهما لتشكل عالماً قائماً بذاته يتماهى فيه الخيال مع الحقيقة والحاضر مع الماضي. قد يكون هذا التماهي نابعاً من حاجة صارخة لسد ثغرات الذاكرة ورأب صدوع النفس وبلسمة جراح الروح، وقبل كل هذا، إيجاد الهوية المفقودة. في حوار صحافي أُجري معه عند إطلاق هذا العمل للمرة الأولى، سئل معوض كيف تتولد لديه الرغبة بتناول موضوع ما في أعماله المسرحية. كانت إجابته بأن الرغبة لا تتولد، بل هي موجودة فينا، وما علينا سوى الاستجابة لنداءات الموضوعات التي تنتقينا.
هنالك في الطب النفسي ما يسمى «العلاج بالمسرح» انطلاقاً من مبدأ أننا لن نرى مشاكلنا وبالتالي لن نتمكن من حلها إن بقينا حبائسها. ربما اختار معوض المتأثر بتحفة رامبرانت «عودة الابن الضال» أن ينفصل عن واقعه من خلال هذا العمل ويتقمّص دور المراقب من مسافة ليتمكن من مواجهة ذاته. لكلٍ حيلته للعيش، وتلك كانت حيلة وجدي معوض.