يربح المسرح اللبناني كثيراً بوجود أشخاص من طينة عايدة صبرا. يربح أكثر كلما قدّمت أستاذة المسرح وممثلة الإيماء مسرحيةً جديدة. تعود صبرا هذه المرّة مع «طقس بيروت» (تأليفها وإخراجها) على خشبة «مسرح مونو». تحاكي المسرحية التي يمكن القول عنها بأنها مزيج بين العبثية والواقعية المدهشة (magnificent reality) الجو العام الذي نعيشه في بيروت. إنها حكاية شخصين يلتقيان على مقعدٍ في الحديقة (ربما الوحيدة المتبقية في بيروت)، لا يجدان شيئاً يجمعهما كمحطة كلام سوى «الطقس» تماماً كأي غريبين. الفكرة خطرت لصبرا بعد قراءتها رواية الفرنسي لوي كالافيرت «غني، وثلاثة فقراء» (Un riche, trois pauvres, 1986)، فاستوحت منها فكرة جلوس شخصين في حديقةٍ للحديث عن الطقس. تشير صبرا إلى أنّ «الفكرة التي استوحيتها موجودة كفكرة عابرة بسيطة وصغيرة في نص الكاتب الفرنسي. أنا أخذتها وطوّرت فكرتي الخاصة ثم أعدت تشكيل مسرحيتي». لمن قرأ الرواية الأصلية، يمكن بسهولة التنبه إلى أنّ لا روابط بين مسرحية صبرا ورواية كالافيرت إلا في هذه النقطة. يلتقي البطلان سعيد (رودريغ سليمان)؛ وحازم الذي يعطيه إيلي نجيم الكثير من «حراكه المذهل» على الخشبة. سعيد مصابٌ باضطرابات نفسية عدة، لا «فصام» فقط كما يبدو للوهلة الأولى... أكتافه المتهدلة، وحركة جسده، ويديه، وطريقة نطقه للأشياء، كلها تفاصيل أبدع رودريغ سليمان في تأديتها. أما حازم الذي عطبته الحرب الأهلية نفسياً، فهو «لا يملك من اسمه شيئاً» كما يقول بلسانه. إنه مصوّر فاشل، يأتي إلى الحديقة محاولاً خلق حوار حول «جمال الطقس» مع سعيد. يكبر النقاش بين الشخصيتين اللتين لا يجمعهما شيء للوهلة الأولى. يزيد الانفعال والتفاصيل، في نصٍّ مكتوبٍ بإتقان، وبقدر كبير من العبثية. إنّهما يتناقشان في كل شيء، ولا شيء في الوقت عينه... في أمورٍ مهمّةٍ تتعلق بالحياة والاستمرارية، وفي الوقت عينه كل كلامهما لا قيمة له. في الوقت عينه، يظل «القدر اليوناني» مادّاً يده في العمل: إذ تحضر شخصية زوجة سعيد، التي لا نراها، ولا نعرف عنها إلا من خلال كلامه عنها. إنها موجودة وغير موجودة في آن.

تقنياً؛ تحاول المخرجة اللبنانية أن تقدّم عملاً يختلف عن الموجود في المسرح اللبناني، فعبثية النص وواقعيته التي تشبه اليومي المعاش، تجعلان المشاهِد في حيرة: هل ما يراه حقيقي؟ أم أنه يحلم؟ في الوقت عينه، تبتعد صبرا كعادتها عن «التسطيح» أو المباشرة. نحن هنا أمام نصٍّ مسبوك، وعمل تقنيّ ذي جهدٍ كبير مبذول. أمرٌ آخر يحسب للأستاذة المسرحية، أنها اختارت أبطالها بعناية فائقة. تقول لنا: «إيلي عمل معي في السابق. أما رودريغ فقد كان تلميذي (في صف الإيماء في الجامعة اللبنانية) لأكثر من أربع سنوات. لذلك أعرفهما جيداً، بالتالي كان اختياري لهما لمعرفتي بما يستطيعان تقديمه». ماذا عن اختيار «شابين» للعب مسرحية؟ تجيب صبرا بدقة: «لأنّني لم أر أنثى في الدور. حتى أنّني جربت أن أدخل نفسي في العمل، لكنني لم أستطع.

مزيج من العبثية والواقعية، واختيار موفّق للبطلين

لقد رأيتها لرجلين». أدائياً؛ نجح سليمان في إظهار معدنه الحقيقي كممثل في إحدى أصعب تجاربه. يقول لـ «الأخبار»: «لقد غُصت في الشخصية وبحثتُ عن الموضوع؛ ناهيك عن خضوعنا لحوالى ٣٥ تمريناً ككل. خلال تلك المدّة، تواصلت مع طبيب نفسي وجلست بمفردي حوالى ٢٤ ساعة كي أشعر بالوحدة. ذاك أنني شعرت بأن الشخصية وحيدة ومتوحّدة. لقد اشتغلت على الضحكة والحركات والفوبيا من الأماكن المغلقة». طبعاً من شاهَد أو سيشاهِد العمل، سيلاحظ أنَّ سليمان لا يغادر المسرح مطلقاً. هو موجود عليه حتى قبل دخول الجمهور. وحالما تُضاء الأضواء، يمكن ملاحظة أنه «يعيش في كوكب الشخصية الخاص». حتى إنه يشير إلى أنّها المرة الأولى التي يجرّبها: «أول مرة اختبر هذا الشعور، أن أكون موجوداً على المسرح منذ البداية. بصراحة، أتخيل أني أرى الحديقة عندما أثبّت نظري وأتخيل أنّ الناس يدخلون إلى الحديقة، لا إلى المسرحية». في المقابل، نجد أن إيلي نجيم ينتمي إلى مدرسة تختلف عن المدرسة التمثيلية التي يقاربها سليمان، إذ إنه يعتمد بشكلٍ كلّي على «حركته» الدؤوبة على المسرح. هو لا يهدأ البتة، فيسحب الجمهور إليه بهذه الطريقة. وإذا كان سليمان يعتمد على تعقيد شخصيته المركبة في طريقة لفظها وحركة يديها وجسدها، فإن نجيم يعتمد على الحركة التي لا تنتهي. يعلّق نجيم: «أنا كثير الحركة في الحياة العادية. والشخصية التي أؤديها «حايصة». ثمة شيء تريد قوله ولا تقوله». يعترف إيلي بأنّ «هذه الشخصية من أكثر الأدوار تعباً بالنسبة إليّ. فقد أتعبني تقلب الأفكار؛ والأمل الكبير الذي يحمله». سينوغرافياً، نجح حسن صادق في تنفيذ ما رسمته له صبرا كجو عام. الديكور يؤدي المطلوب منه في خلق المتخيّل والمحسوس في الوقت عينه؛ إذ يمكن للمشاهد بسهولة تخيل الحديقة، بطيورها، وشمسها وغيومها.

* «طقس بيروت»: حتى 16 كانون الأول (ديسمبر) ــ «مسرح مونو» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/218078