أمس رمت ثريا جبران الروزنامة التي يحسب بها المرء السنوات الكبيسة والسنوات الكاملة، وهمست لنا لآخر مرة «الصَّمت الذّهبْ المشجَّــرْ والكْلامْ يفَسِّدْ الْمسَالة/ إذا شُفْتْ لا تْخَبَّـــــــــــرْ وَإذا سَــالُوكْ قُلْ لاَ لاَ» هذه الكلمات للشاعر الصوفي سيدي عبد الرحمن المجذوب، نقلتها إلى خشبة المسرح وكانت «الوِرد» أو «المانترا» التي تشبثت بها طوال حياتها، فلطالما عملت بصمت وخفر من دون أن يمنعها ذلك من أن تكون قريبة من الناس، تؤمن بأن المسرح يوجد حيث يوجد الناس. بطاقة مذهلة، اشتغلت جبران على تأصيل فنون الفرجة، من خلال مسرح متجذّر في التراث والتقاليد الشفويّة والسرديّة والشعر الملحون وطقوس الذاكرة الجمعيّة وتقاليد الفنّ الشعبي وشخصياته، وأسهمت على امتداد مسيرتها في أهم أعمال «المسرح الاحتفالي» الذي شكّل حتى أواخر السبعينيات اتجاهاً مهيمناً في العالم العربي الباحث عن خصوصيّته وهويّته.

لم يكن عمر ثريا جبران يتعدى عشر سنوات حين خطَت للمرة الأولى على خشبة المسرح البلدي بتشجيع من المخرج محمد الشناوي الذي كان مأخوذاً بنبرتها وتلقائيتها في التعبير. كما دفعها إلى دخول عالم الاحتراف المخرج الراحل فريد بن مبارك، أستاذ المسرح، الذي كوّن خيرة رواد المسرح والإعلام في المغرب. وفي عام 1969 التحقت ثريا بمعهد المسرح الوطني في الرباط، واختارت أن تجسد أدوار المهمّشين الباحثين عن رجاء أو خلاص، لتُلاحقها أعين المخبرين الساهرة. ما زلنا نقرأ نتفاً غائمة غير مكتملة عن حادثة الاختطاف الشهيرة، حين كانت محسوبة على حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض، وقام «مجهولون» بحلق شعرها لمنعها من المشاركة في برنامج حواري على القناة الثانية.
تبقى العلامة الفارقة في تجربتها، تعاونها مع الطيب الصديقي (1938 ـــ 2016)، أبو المسرح المغربي بلا منازع، الذي أدهش معاصريه في المغرب والعالم وتخرّجت على يديه أجيال عديدة من المخرجين والممثلين وفرقة «ناس الغيوان» في ما كان يرافق مسرحياته من غناء فرجوي. لقّبه المغاربة بـ«أسد المسرح»، أو «أورسن ويلز العرب»، كما سمّته جريدة «لوموند» الفرنسية إثر تجسيده لدور أبي حيّان التوحيدي على خشبة «بيت ثقافات العالم» في باريس. كان الصدّيقي يحلم ببناء صرح مسرحي كبير في شارع غاندي في الدار البيضاء، يضم صالة عروض احترافية، وقاعة معارض، وورشة للديكور والملابس، ومقهى ثقافياً، إضافة إلى مدرسة لتعليم فنون المسرح يدخلها أطفال الشوارع واليتامى....
في مسرح الصديقي مع «فرقة الناس»، قدمت ثريا جبران مسرحية «ديوان عبد الرحمن المجذوب» و«الإمتاع والمؤانسة»، وينبغي أن نستعيد أيضاً «ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ» (بطولة نضال الأشقر/ 1985) التي جالت العالم العربي مع فرقة «الممثلين العرب». لم يكن الصديقي شغوفاً بالملء، أو البهرجة، بل اختار حلّة مينيمالية متقشفة، عارية أحياناً إلا من أربع مرايا تُعلَّق في فضاء الخشبة ليتحرك الممثل من دون مبالغة في الأداء.
قد نحتاج إلى بعض الوقت كي نحيط بمشروع سيدة المسرح الذي تكوّن على امتداد محطات تختلف الواحدة عن الأخرى، بتوجهها الجمالي، وخطابها وأسلوبها. فقد كانت منحازة إلى التجريب، أسّست فرقة «مسرح اليوم» مع زوجها المؤلف والمخرج المسرحي عبد الواحد عوزري، حملت إليها تأثراتها الخاصة بالمسرح المعاصر وثبتت مكانها شيئاً فشيئاً مع عرض «حكايات بلا حدود» المقتبس عن «البدوي الأحمر»، للشاعر السوري الراحل محمد الماغوط، ثم «امرأة غاضبة» و«جنان الكرمة» و«خط الرجعة» و«عود الورد» والقائمة تطول.
باختصار، كانت ثريا تؤثر المجازفة، عاشت حياتها منفتحة على ثقافات عديدة خارج كل إطار ضيق إيديولوجي أو نقابي أو سياسي. حتى حين تقلدت منصب وزيرة الثقافة في حكومة عباس الفاسي (2000-2009)، ظل الهاجس الاجتماعي حاضراً في برنامجها العملي، إذ أعطت الأولوية لهذا الجانب في حياة الفنانين من خلال مجموعة من التدابير، كإنشاء «بطاقة الفنان» المهنية والتغطية الصحية للعاملين في هذا القطاع، إضافة إلى الرفع من الدعم المالي المخصص للمسرح. على أي حال، لم تكن المُصادفة هي التي قادت خطوات مدام ثريا، فمن يطالع سيرتها سيلاحظ أن يداً ما، خفيّة، كانت تعبّد كل الطرق كي توصلها إلى المسرح، حيث الضوء ينبلج شيئاً فشيئاً عليها هي أولاً، جالسة في مقعد وثير ينتظرها. تُطلّ، رقيقة، بفستانها الأسود، وحقيبتها السوداء، فنرغب أن لا ينتهي العرض أبداً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا