تحمل النساء إرثاً من الأفكار والمعتقدات والمشاعر أيضاً، والأمومة واحدة من المشاعر التي نتعايش معها كشعور فطري لا جدال فيه، والصورة المقدسة عن الأم التي تُطعم أبناءها وتغدقهم بالمحبة والحنان هي صورة حميمية موجودة بالطبع لكنها ليست بتلك المثالية التي نظنها، بل تقف على خلفية المسكوت عنه من مشاعر التعب والإرهاق والخوف الذي يترسّب في أجساد النساء. تُجاهد الأمهات للتماهي مع الأمومة باعتبارها وظيفة مقدّسة، وقليلات تحدّثن عن المخاوف التي رافقتهن منذ أشهر الحمل الأولى مروراً بالمراحل المتعاقبة لتربية الأبناء.

تولد الأمومة بداخل النساء في مراحل مبكرة تنبت ملامحها منذ الطفولة، كما تقول سيمون دي بوفوار بأن الطفلة «تتخيّل العالم كنوع من نظام أمومي». الأمر لا ينطوي على فطرة أمومية بقدر ما هو تقليد للأم وتماهٍ مع دورها الذي تراقبه الطفلة يومياً وتعيد تمثيله في ألعابها، مع دميتها التي تمارس معها المهام الأمومية. تكتمل الحلقة الأمومية بداخل الطفلة من ألعاب الطفولة مروراً بما تسمعه وتقرأه من قصص وحكايات وينمو بداخل الطفلة فضولٌ خاصٌ تجاه سرّ الأمومة والإنجاب، وتتحول الأمومة إلى فكرة سحريّة تنشد الطفلة محاكاتها وتتحول إلى امرأة صغيرة تنضج قبل أوانها، رغم أنها، كما تصفها سيمون «إنسان قبل أن تصبح امرأة، وتعرف منذ ذلك الحين أن قبولها ذاتها كامرأة يعني أن تتنازل وتخسر قسماً من نفسها».

ممزّق للفنانة اللبنانية دزوفيغ أرنيليان (طباعة أكريليك على لوح خشبي - 16×15.5 سنتم - 2020)

تتسرّب تلك الخسارة داخل الطفلة بشكل لا واعٍ تماماً كالأحلام تظهر في غرف مظلمة ولا تطفو على السطح، وفي المرحلة التي تتحول فيها الأمومة من لعبة طفولية إلى تجربة عملية تختبرها المرأة في مرحلة الخصوبة وبعد الزواج حيث تجد أن كل خبراتها عن الأمومة غير حقيقية، وأنها لا تملك قاموساً شخصياً يُترجم المخاوف الجسدية والنفسية التي تهاجمها فلا تعرف كيف تتعامل معها. في مجتمعات تقدّم الأم باعتبارها امرأة خارقة قادرة على تحمل الألم، لن تجد النساء من يتعاطف مع تلك المخاوف باعتبار الأمومة فعل فطري تنفّذه النساء من دون شكوى أو تذمّر، ولأن ما من أم كشفت عن تلك المخاوف في تجربتها الخاصة، بل كن يبتلعن الخوف والقلق باعتبار الأمومة تجربة طبيعية خاضتها كل النساء من قبل، وكان عليهنّ أن تسكتن عن مخاوفهن.
تقدّم المخرجة الفرنسية أليس ديوب في فيلمها الأخير Saint Omer (عام 2022) تجربة درامية خاصة لأم متهمة في قضية قتل رضيعتها. ما من شك في أننا أمام قاتلة تستحقّ العقاب، لكن الفيلم لا يقدم إدانة للأم بقدر ما يقدّم تشريحاً لحالتها النفسية ويطرح تجربتها الأموميّة أمام منصة قضائية لتحكم على الأم بعدما نفهم بدرجة عميقة علاقتها المتوترة بالأمومة.
لم يكن إنجاب بطلة الفيلم نتاج تجربة زواج أو قصة حب كبيرة، بل جاء من علاقة جنسية بينها وبين الرجل العجوز الذي تعمل معه، والبطلة هي فتاة جامعية شابة بالكاد تشق طريقها في الحياة وتفهمها لا تعرف عن الأمومة شيئاً. إذ تخلو علاقتها بأمها من المشاعر الحميمية، فيما لا تزال يافعة، ولم تقم بتحضير نفسها أو التخطيط لدور الأمومة. أخفت الفتاة حملها عن الناس، وفي لحظة الولادة كانت وحدها تماماً تصارع الألم وتحمل جنينها من دون أن تعرف كيف تتعامل معه، كانت تخشى من العار ومن الشعور القاسي بأن تجربة الأمومة ثقل لا تقوى على احتماله. كانت تواجه كل هذه المشاعر الثقيلة مع إحساس عميق بالذنب تجاه الصغيرة وتجاه نفسها. تدافع المحامية عنها فتقول إن موكلتها «تعلمت من الإنترنت كيف تكون أماً»، وهو شعور صادق وتجربة تعيشها بطلة الفيلم المتخيلة مثل الكثير من الأمهات الحقيقيات.
أرادت بطلة الفيلم أن تستقبل طفلتها بالصورة المقدسة التي تغدق فيها عليه بمشاعر حنان فائضة، لكنها استقبلتها بخوف وارتباك، لأن مشاعرها ليست مستقرة والفطرة الأمومية لم تكن محركها بعد الولادة. قتلت البطلة جنينها لأنها تحمل خوفاً أكبر منها، خوف يتشابك مع مخاوف ورثتها عن أمها ومخاوف من المجتمع الذي لن يرحمها لأنها تحمل طفلاً غير شرعي، كما تحمل مخاوف جسدها الذي لا يعرف كيف يتعامل مع أمومتها المبكرة.
لا تفصح النساء عن مخاوفهن، ولا عن تلك الأسئلة المرتبكة بشأن الأمومة. هناك القليل من الأمهات اللواتي طرحن سؤال الرغبة في الأمومة وتحدثن عن المخاوف الكبرى تجاه التجربة الأمومية، وليس المشاعر العاطفية الفائضة. تضعنا تلك التساؤلات أمام جسد امرأة يدخل في تجربة لا يعرف عنها شيئاً، يتغيّر شكل الجسد وتتغير معه المشاعر والهرمونات المضطربة أمام الانقباضات والآلام، فيما الطفل يسقط من رحمها أمام عينيها من دون أن تعرف ما الذي يتوجّب عليها فعله مع ذلك المشهد المهيب. أسئلة ومشاعر مشروعة لكن طرحها يضع الأم في موضع أقرب للإدانة، ومن جهة أخرى تسمح لنا بالتفكير في الأمومة كفكرة مجردة، ونعود للتفكير في حواء، أولى النساء وأولى الأمهات التي تختبر وحدها تجربة الأمومة من أولها إلى آخرها من دون ذاكرة أو خبرة أو مشاعر مسبقة تعينها على تقبل جسدها وتقلباته وذلك الجنين الأول الذي خرج من رحمها، وهي تتساءل حتماً عن الرابط بينها وبين هذا الجنين الذي لا تعرف كيف عليها أن تفهمه أو تفهم رغباته وتتعامل معه. ربما ورثنا تلك الجذور الأولى للخوف الأمومي من حواء الأم.
يضعنا فيلم Saint Omer أمام حقيقة بيولوجية علمية عن الرابط المتشابك بين الأم وجنينها عبر الخلايا التي تنشأ في فترة الحمل وتهاجر من الأم إلى الجنين مع الحمض النووي، وفي المقابل تهاجر خلايا الجنين أيضاً نحو أعضاء الأم وتستقر في جسمها وعقلها. هجرة الجينات المتبادلة تهاجر معها المشاعر أيضاً.
في مذكراتها التي دونت فيها تجربتها مع الأمومة تستعرض مروة رخا قراءتها لكتابات الدكتور مونتيسوري عن حياة الجنين في رحم أمه عن «كيفيّة تلقّيه لكل مشاعر الأم وكيف تصبح الأحاسيس جزءاً من وعيه وشخصيته وتكوينه بعد الميلاد» وتعترف مروة «لقد تشرّب آدم مخاوفي وقلقي وتشبّثي به، فولد طفلاً خائفاً قلقاً متشبثاً بي». تلك الدائرة المتصلة من المشاعر المتوارثة تشبه دورة الحياة، مشاعر تتغذى على مشاعر أخرى، ومخاوف تولد وتتوارث عبر الجسد والجينات والذاكرة المشتركة. تشترك الأمهات في الخوف من الأمومة لكن الصورة المقدسة تجبرهن على التمسك بصلابتهن والتخلي عن هشاشتهن، لم يخبر أحد الأمهات أن الخوف شعور فطري يلتصق بتلابيب الأمومة، وأن كل امرأة تحمل بداخلها خوفاً متوارثاً من أجساد لم تلتئم بعد جراح أمومتها.