الحسكة | لم يكن إعلان وزارة الصحّة السورية تسجيل حالات إصابة بـ«الكوليرا»، مفاجئاً، في ظلّ التأثيرات الكبرى التي خلّفتها الحرب على البُنى التحتية الصحّية والغذائية والمائية، وآخرها إصرار تركيا للعام الثاني على التوالي على حبْس مياه الفرات، والتي تعتمد عليها العديد من المحافظات السورية كمصدر رئيس للشرب وريّ المزروعات. وإذا أضيف إلى ما تَقدّم استمرار أنقرة في قطْع المياه عن نحو مليون مدني في الحسكة وريفها، والشحّ الشديد في الموارد المائية، وعدم تَوفّر ساعات تغذية كهربائية كافية لضخّ المياه، تُضحي البيئة شديدة الملاءمة لانتشار «الكوليرا»، وهو ما حصل فعلاً.

وبحسب المعطيات المتوافرة، فقد كان أوّل ظهور لأعراض المرض في ريف حلب، قبل أن تَظهر المؤشّرات نفسها في ريفَي الرقة ودير الزور، ومن ثمّ الحسكة، حيث سَجّلت هذه المحافظات، وحدها، نحو 85% من الإصابات التي أعلنت عنها الوزارة، بمعدّل 45 حالة من أصل 53، من بينها 7 وفيات. وظهرت غالبية الإصابات في مناطق تشهد شحّاً في مياه نهر الفرات، على امتداد مسرى جريان النهر في سوريا، بينما لا يُستبعد أن تكون الحالات التي سُجّلت في دمشق وريفها واللاذقية، قد قدِمت من حلب أو إحدى المحافظات الشرقية. وأفاد منسّق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في سوريا، عمران رضا، بأنه «تمّ الإبلاغ عن 936 حالة إسهال مائي حادّ في سوريا، بما يشمل ما لا يقلّ عن 8 حالات وفاة»، مبيّناً أنه «أُبلِغ عن معظم الحالات في حلب بمعدّل 72.2% (676 حالة)، ثمّ دير الزور بنسبة 21.6% (201 حالة)، وأخيراً الحسكة بمعدّل 4%». وأشار رضا إلى أنه «بناءً على تقييم سريع أجْرته السلطات الصحّية والشركاء، يُعتقد أن مصدر العدوى مرتبط بشرب الأشخاص مياهً غير آمنة مصدرها نهر الفرات، واستخدام مياه ملوَّثة لريّ المحاصيل».
بدوره، يؤكّد محافظ الرقة، عبد الرزاق الخليفة، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «هنالك تأثيراً ملحوظاً لشحّ مياه نهر الفرات على مياه الشرب من حيث الكفاية والجودة»، لافتاً إلى أن «الجهات الحكومية تُحاول مواجهة ذلك من خلال استخدام مواد التعقيم والكلور ضمن المواصفات المسموح بها، بهدف تنقية المياه، وضخّها عبر الشبكات للأهالي». ويستدرك بأن «اختلاط نهر الجلاب الوارد من تركيا، مع الفرات، زاد من تعكّر مياه الأخير»، كاشفاً أن «الوارد المائي الحالي من الفرات يتراوح بين 220 و240 م3 في الثانية، وهو ما يشكّل أقلّ من نصف حصّة البلاد منه». ويعتمد غالبية الأهالي في أرياف حلب والرقة ودير الزور، على محطّات ضخّ مياه مربوطة بنهر الفرات، يجري من خلالها تعقيم الوارد وإضافة مادّة الكلور إليه، لكن مع لجوء سكّان العديد من القرى والبلدات إلى تعبئة المياه مباشرة من النهر من دون تعقيم، أو استخدامها في سقاية المزروعات، شُرّع الباب أمام إمكانية انتشار أمراض وأوبئة سارية.

ظهرت غالبية الإصابات في مناطق تشهد شحّاً في مياه نهر الفرات


أمّا في الحسكة، فلا يبدو الوضع أفضل؛ إذ تعيش المدينة وضعاً مائياً صعباً، منذ احتلال تركيا منطقة رأس العين وأريافها، وتَحكّمها بالوارد المائي من محطّة علوك - التي تُعدّ المصدر الوحيد لمياه الشرب في مدينة الحسكة وريفها الغربي -، بالإضافة إلى جفاف رافدَي نهر الفرات (الجغجغ والخابور)، واستخدام الأهالي بقاياهما لسقاية المرزوعات. ونتيجة انقطاع المياه الحالي، والمستمرّ منذ نحو شهر ونصف الشهر، يضطرّ الأهالي إلى الاعتماد على مياه الآبار السطحية والجوفية المالحة، أو المياه المنقولة عبر الصهاريج والخزانات، والتي تُعدّ في غالبيتها مجهولة المصدر، ما يشكّل تهديداً صحّياً لهم. وفي هذا السياق، يشير مدير الصحة في الحسكة، عيسى خلف، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «انقطاع المياه عن مدينة الحسكة، من المصدر المائي الآمن الوحيد، والمتمثّل في محطّة علوك، يشكّل عامل قلق صحي، تمّ التنويه إليه مراراً»، مضيفاً أنه «مع تسجيل 13 حالة إصابة مثبتة بالكوليرا، تُوفّيت إحداها نتيجة مرافقتها لإصابة عصبية، وشُفيت 7 منها، فيما تتماثل 5 أخريات للشفاء، تمّ التشديد على ضرورة التأكّد من سلامة المياه الداخلة إلى المدينة». ويلفت خلف إلى أنه «تمّ استنفار الجهود وعقْد اجتماعات مع مؤسّسة المياه ومديرية التربية، بهدف التأكيد على اتّخاذ إجراءات صحّية تمنع انتشار المرض، مع ضرورة إضافة مادة الكلور إلى كافّة الخزانات والصهاريج التي تقوم بتوزيع المياه، في ظلّ استمرار انقطاع الوارد من علوك منذ نحو 50 يوماً»، مطَمئناً إلى أن «الوضع الحالي لانتشار المرض تحت السيطرة، واحتمالية انتشاره بشكل كبير غير مرجّحة، ضمن المعطيات المتوافرة حتى الآن».