دمشق | لا يترك العدو الإسرائيلي مناسبة من دون الحديث عن سعي إيران و«حزب الله» إلى التمركز في المناطق السورية المحاذية للجولان المحتلّ. ويُذكّر العدو، بشكل دائم، بأن هذه القوى تُحصّن مواقعها في المنطقة الجنوبية بالعتاد والعديد والسلاح، وخصوصاً الصواريخ، وهي تقوم ببناء بنى تحتية عسكرية «لشنّ هجمات ضدّ إسرائيل».

قبل عدّة أسابيع، اعتبر قائد «الفرقة 210» في الجيش الإسرائيلي، اللواء رومان غوفمان، أن «أكبر خطر على الجيش الإسرائيلي في منطقة الجولان حالياً، هو حزب الله اللبناني». ورأى قائد الفرقة المعروفة بـ«عصبة النار» المتموضعة في الجولان المحتلّ منذ سنوات طويلة، في تصريح إلى وكالة «تاس» الروسية، أن «الخطر الأكبر هو بناء جبهة من قِبَل إيران وحزب الله في جنوب سوريا ضدّ إسرائيل»، مضيفاً: «هذا هو الخطر الرئيسي (...) في الحقيقة تتسلّل إيران وحزب الله إلى المنطقة ويُحصّنان مواقعهما هناك باطّراد وبشكل متواصل».
كذلك، نشر مركز «ألما» للبحوث والتعليم الإسرائيلي، الشهر الماضي، تقريراً ادّعى فيه أن وجود «حزب الله» في جنوب سوريا «أكبر بكثير مما تمّ الكشف عنه سابقاً»، مُتحدّثاً عن أن «لحزب الله نحو 58 موقعاً، 28 منها للقيادة الجنوبية للحزب، و30 لمشروع الجولان». وأضاف التقرير أن تلك المواقع في محافظتَي القنيطرة ودرعا «تُشكّل أساساً نوعياً لأنشطة حزب الله، من حيث جمع المعلومات الاستخباراتية والتخطيط العملياتي»، الأمر الذي «يشكّل تحدّياً مستمرّاً لإسرائيل والمنطقة».

بناء الجبهة الجنوبية
لا يكتفي العدو الإسرائيلي بضخّ المعلومات حول وضع الجبهة الشمالية عنده، والمنطقة الجنوبية من سوريا، بل هو يقوم بإجراءات عسكرية عالية الوتيرة في إطار محاولة منع تشكّل بنية عسكرية قوية لدى سوريا وحلفائها، على الحدود مع الجولان المحتلّ. قبل نحو أسبوعين، أعلن العدو اكتشاف عبوات ناسفة، بدائية الصنع (تشبه إلى حدّ ما العبوات التلفزيونية)، مزروعة في الأراضي المحتلّة في منطقة الرفيد، قرب معبر حدودي قديم يقع على «خطّ العزل» بين القنيطرة والجولان المحتلّ، وليس بعيداً عن مستوطنة «إليعاد» الإسرائيلية. بعد يومين تقريباً، وفي إطار الردّ على ما اكتشفه العدو، شَنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية حملة قصف جوّي استهدفت مكتب قائد اللواء في الفرقة السابعة في الجيش السوري في بلدة سعسع، ولم تنجم عن ذلك أيّ إصابات بشرية. كما استهدف العدو معسكراً يشغله مستشارون عسكريون إيرانيون ويُستخدم في تدريب عناصر من «الدفاع الوطني» السوري (قوّة رديفة للجيش السوري)، في منطقة الغسانية قرب مطار دمشق. وكما جرت العادة، استهدفت طائرات العدو أيضاً منصّات دفاع جوي، تابعة للجيش السوري، حين حاولت التصدّي للصواريخ المعادية.
ويوضح مصدر عسكري رفيع في الجيش السوري أن «النقاط المستهدَفة ليست لها علاقة مباشرة بقضية العبوات الناسفة، بل هي أهداف مدرَجة مسبقاً لدى جيش العدو، وهو يستهدفها باستمرار وبشكل دوري، ونحن نقوم ببعض الإجراءات المسبقة منعاً لوقوع خسائر بشرية». وفي الغارات الأخيرة قبل نحو أسبوع، استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مواقع نظامية للجيش على جبل المانع، ومعسكراً للتدريب تابعاً للفيلق الأول في بلدة أم العواميد، قرب الكسوة جنوبي دمشق، بالإضافة إلى مخزن للسلاح في قرية رويحينة قرب القنيطرة.
قبل ذلك بفترة وجيزة، أقدم العدو على سلسلة استهدافات مماثلة، طاولت مراكز عسكرية تابعة للفرقة الخامسة، بالإضافة إلى سيّارتين عسكريتين تابعتين لـ«اللواء 112» في تل الجابية الذي يقع غربي مدينة نوى، في ريف درعا الشمالي الغربي، وهو تلّ استراتيجي مرتفع يشرف على جزء كبير من جبهة الجولان. لكن الرسالة هذه المرّة كانت أوضح، حيث أوصل العدو تهديدات مباشرة إلى ضبّاط كبار في الفيلق الأول في الجيش السوري، عبر برنامج «واتسآب»، من رقم قبرصي، مفادها: «حزب الله والإيرانيون يستغلّونكم للعمل على الحدود ضدّ إسرائيل، وأنتم تتحمّلون المسؤولية، ولن تكونوا بعيدين عن ردودنا». ويشير مصدر قيادي في المنطقة الجنوبية، الى أن «هذه هي المرّة الأولى التي يسجّل فيها إجراء كهذا في المنطقة، فبعدما كان يعمد العدو إلى التهديد في الإعلام، عبر تسريب أسماء قياديين في المقاومة يدّعي أنهم يعملون ضدّه على جبهة الجولان، ها هو اليوم يوجّه رسائل تهديد مباشرة إلى ضبّاط في الجيش السوري، يدّعي أنهم يتعاونون مع قوى المقاومة».

العلاقة بين ضبّاط الجيش المنتشرين في المنطقة والمستشارين من الحلفاء «ممتازة»


لكن على الرغم من هذا، فإن العلاقة بين ضبّاط الجيش المنتشرين في المنطقة، والمستشارين من الحلفاء، «ممتازة»، بحسب وصف مصدر معنيّ، يوضح أنه «تمّت بلورة علاقة جيدة جداً ووطيدة بين الطرفين نتيجة سنوات القتال جنباً إلى جنب». ويضيف المصدر أن الضبّاط الكبار في الجيش السوري يحسنون قراءة المشهد في المنطقة الجنوبية، ويقدّرون قيمة وجود قوى الحلفاء فيه إلى جانبهم، وهم في الوقت عينه يدركون حجم التهديد الإسرائيلي، لكنهم يلمسون فعّالية «منظومة الردع» التي شكّلها وجود قوى المقاومة في المنطقة.
ويؤكّد أحد المعنيّين بملفّ المنطقة الجنوبية، من «الحلفاء»، بدوره، «حرص المقاومة الجدّي على سلامة ضبّاط وعناصر الجيش السوري إلى الحدّ الأقصى». كما يؤكّد «استمرار التعاون الوثيق مع قوات الجيش السوري المنتشرة في المنطقة، وفشل كلّ مساعي التفريق بين مَن قاتلوا سويّاً طيلة سنوات الحرب». ويُجري الجيش السوري، منذ أكثر من عام، مشروع إعادة هيكلة عسكرية لجبهة الجولان المحتلّ، التي تضرّرت إلى حدّ بعيد بفعل الحرب المستمرّة منذ 8 سنوات. ويضطلع الفيلق الأول بالمهامّ الرئيسة في هذا الإطار، بالتعاون مع القوى الحليفة لدمشق. كذلك، يُجري الجيش، بالتعاون مع الحلفاء، عملية إعادة تأهيل البنى التحتية القتالية في المنطقة، حيث يتمّ إنشاء معسكرات تدريبية ونقاط عسكرية جديدة على طول الحدود مع الجولان المحتلّ، وقد استهدفت الغارات الإسرائيلية الأخيرة عدداً منها.
وبحسب المصدر عينه، فإن «المشاريع العسكرية المشتركة مع الجيش السوري في الجبهة الجنوبية (الجولان) لم تبدأ أخيراً، بل منذ سنوات، وهي مشاريع متوسّطة وبعيدة المدى، وهي حق طبيعي للدولة والجيش السوري، ولن تتوقّف أبداً، وهي صارت في مراحل متقدّمة أصلاً». وردّاً على سؤال حول تواجد عناصر المقاومة في الجنوب، يُبيّن المصدر أنهم «موجودون بحسب متطلّبات الخطط، لكن ما يتمّ صنعه هناك هو جبهة سورية بمقاتلين سوريين يمتلكون إرادة وحق الدفاع عن بلدهم، وتحرير المحتلّ منها».

هدوء نسبيّ
وفي مقابل حالة «القلق» التي تسود المنطقة الحدودية الممتدّة من ريف دمشق الجنوبي، مروراً بالقنيطرة، وصولاً إلى ريف درعا الغربي، تعيش المنطقة الجنوبية بشكل عام حالة من الهدوء النسبي في الأشهر الأخيرة، حيث انخفضت وتيرة الإشكالات الأمنية التي كانت في غالبيتها بين الفيلق الخامس المدعوم من روسيا، وعناصر الفصائل المسلّحة التي رفضت التسوية. وكانت قبل أسابيع قد وقعت بعض المشاكل في قرية الشجرة في حوض اليرموك غربي درعا، «لكنها عولجت بعد مقتل ضابط وجندي من الجيش السوري»، بحسب المصادر الأمنية المطّلعة، التي تؤكد أن «المخاوف من قتل عسكريين في الجيش، وخصوصاً الضباط، لا تزال قائمة، ولا سيما الذين يعملون في المناطق التي تخضع لنفوذ الفصائل الجنوبية (مناطق التسويات)».
ولا تزال التسويات مستمرّة على قدم وساق في المنطقة الجنوبية برعاية الجانب الروسي، الذي، على رغم العراقيل الكثيرة والإشكالات المتنقّلة، يصرّ على إتمامها. ويُعدّ أبرز وجوه التسوية، أحمد العودة، القيادي السابق في الفصائل الجنوبية، والذي يقود اليوم الجهود الأساسية في التسويات، وهو يتمتّع بنشاط كبير، ولديه حضور ونفوذ وسط مسلّحي الجنوب. وكما يقوم العودة بجهود التسوية، يضطلع أيضاً بمهامّ قمع المجموعات المسلّحة الرافضة للتسويات، والخارجة عن العباءة الروسية. وتتحرّك الشرطة العسكرية الروسية بحرّية تامّة وشعور فائض بالأمان في المنطقة الجنوبية (يجول عناصرها في الأسواق ويشاركون في المناسبات المحلية)، بعدما امتدّت تسوياتها على غالبية المنطقة، وخضعت غالبية الفصائل إمّا إلى سلطتها، أو إلى اتفاقات وتوافقات معها.