مع أن الحكومة السابقة فوّضت وزارة الصناعة تشكيل لجنة لإعداد التشريعات اللازمة لحلّ الشركات الصناعية الحكومية المتوقّفة والمدمّرة كلياً، إلا أن ذلك لم يكن ليؤشّر إلى بدء زوال «اللعنة» التي أحاطت بمشروع إصلاح القطاع العام. إذ إن وصفات الإصلاح الكثيرة، التي خَلُصت إليها عشرات اللجان المشكّلة على مدار عقدين ونيّف من الزمن، كانت تخمد في مرحلة ما من دون أن يُعرف السبب أو الجهة المسؤولة، أو حتى البديل، الأمر الذي جعل الشكوك تحيط مسبقاً بإمكانية نجاح أيّ جهد أو حديث حكومي في هذا الإطار.

اليوم، باتت تلك الشكوك أكثر حضوراً، على رغم الحديث الرسمي عن استمرارية القطاع العام ودوره المحوري في مرحلة ما بعد الحرب، التي كانت قاسية جداً على القطاع، بفعل تسبّبها بتدمير العديد من منشآته ومؤسّساته، وتالياً زيادة خسائره وتراجع مساهمته الاقتصادية والتنموية. مثلاً، تكشف البيانات الحكومية أن قيمة الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالمنشآت الصناعية العامة بفعل الحرب بلغت، حتى منتصف عام 2019، حوالى 1067 مليار ليرة، وهي خسائر لا تشمل أربع محافظات لا تزال مناطق فيها خارج سيطرة الدولة. كذلك، رفعت الحرب من تكلفة عملية إصلاح القطاع إلى حدّ معجِزٍ للدولة. ففي عام 2009، كانت التقديرات تشير إلى أن المنشآت الصناعية بحاجة إلى أكثر من 100 مليار ليرة، وهو رقم زاد حالياً أضعافاً مضاعفة بفعل أضرار الحرب ومتغيّرات سعر الصرف، في وقت تعاني فيه خزينة الدولة من تراجع كبير في إيراداتها.
على رغم ما تقدّم، فإن القطاع العام باقٍ، «لأنه كان أحد أهمّ أسباب استمرار الدولة وصمود المجتمع خلال سنوات الحرب على سوريا»، بحسب الباحث الاقتصادي فادي عياش، الذي يعتبر القطاع «ضرورة وحاجة، وفي النهاية هو بمنزلة قرار سياسي سيادي، مع الإشارة إلى أنه في معظم الاقتصادات الرأسمالية لا يزال هذا القطاع يشكّل وسطياً نسبة لا تقلّ عن 30%، كما في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا».

تهديد الحرب
عاملان أساسيان يثيران الشكوك حيال استمرار سيطرة القطاع العام على جوهر النشاط الاقتصادي في البلاد. العامل الأول يتمثّل في المشاكل المزمنة التي يعانيها هذا القطاع منذ عدّة عقود، والتي جعلت منه بالمجمل قطاعاً متهالكاً وخاسراً على رغم وجود شركات ومؤسسات رابحة. إذ بحسب تحقيق «الجهاز المركزي للرقابة المالية» في عام 2014، تَبيّن أن خسائر 29 جهة عامّة خلال الفترة الممتدّة من عام 2006 حتى عام 2010 تجاوزت ألف مليار ليرة، علماً بأن الشركات التابعة لوزارة الصناعة ذات طابع اقتصادي، و»مطلوب منها أن تربح». أمّا أعمال التحقيق التي جرت في العام التالي 2015، فأظهرت أن الخسائر بلغت أكثر من 72 مليار ليرة، منها أكثر من مليار ونصف مليار قيمة خسائر تسع شركات صناعية حكومية، فيما سجّلت كالعادة شركات ومؤسسات وزارة الكهرباء النسبة الكبرى من الخسائر بسبب سياسة الدعم، والتي أوصلت الخسائر في خمس شركات منها فقط إلى أكثر من 65 مليار ليرة، بنسبة قدرها 90% من إجمالي حجم الخسائر.

ثمّة مخاوف من أن تؤدّي عمليّة الإصلاح إلى خصخصة القطاع العام


أما العامل الثاني فيتعلّق بالمتغيّرات الكثيرة التي تسبّبت بها الحرب، من قبيل ارتفاع نسبة مساهمة «قطاع الظلّ» واقتصادات الحرب في النشاط الاقتصادي العام للبلاد، وهي نسبة يقدّرها باحثون بأكثر من 70%، فضلاً عن توسّع دائرة استثمارات القطاع الخاص المنظّم، في وقت لا تزال فيه استثمارات القطاع العام في حدّها الأدنى بسبب تراجع إيرادات الخزينة العامة من جهة، وارتفاع حجم الإنفاق في الموازنة العامة من جهة ثانية. بالتالي، تبدو نسبة مساهمة جهات القطاع العام في النشاط الاقتصادي العام متّجهة نحو مزيد من التراجع، ولولا الحصرية الاستثمارية الممنوحة لتلك الجهات في بعض القطاعات المهمّة كالنفط والاتصالات لما كان لها من حضور يذكر.

خيار استراتيجي
في ورقة عملها الأساسية، والتي كانت أساساً لانطلاق النقاش قبل ثلاث سنوات حول سبل إعادة هيكلة القطاع العام الاقتصادي، تحسم «هيئة تخطيط الدولة» مسألة إصلاح القطاع وتعتبرها «خياراً استراتيجياً»، يحتاج إلى دعم سياسي وإداري ومالي كبير. ومهما كانت تكلفة تلك العملية، فإن من الضروري البدء بها منذ الآن، إذ لا بدّ من أن تكون المؤسسات والشركات الاقتصادية العامة جاهزةً للعمل بكفاءة وإنتاجية عالية عند انطلاق البرنامج الوطني لسوريا ما بعد الأزمة، وفق الدور المهمّ الذي سيناط بها في تنفيذ هذا البرنامج.
ليس ثمّة تباين كبير بين الطروحات الحكومية لإصلاح القطاع العام، وتلك التي يقترحها باحثون وأكاديميّون، وإن كانت هناك بعض المخاوف من أن تؤدّي عملية الإصلاح تلك إلى حدوث خصخصة للقطاع العام بطريقة ما، كما هي حال موقف «الاتحاد العام لنقابات العمال»، والذي يرفض على لسان رئيسه جمال القادري «فكرة تحويل شركات ومؤسسات القطاع العام إلى شركات قابضة، بالنظر إلى أنها ستكون مقدّمة لطرح تلك الشركات على الاكتتاب العام كما ينصّ قانون الشركات، وتالياً فتح باب الخصخصة». ويعتبر القادري، في حديث إلى «الأخبار»، أن إصلاح القطاع العام «يمكن أن يتمّ مع المحافظة على ملكية الدولة له وحقوق العاملين فيه، وذلك من خلال تحديث تشريعاته وأنظمته ومنح إداراته مزيداً من الصلاحيات والمسؤوليات، لكن شريطة اختيار تلك الإدارات وفقاً لمعايير الكفاءة والنزاهة». أما الباحث عياش فهو على اقتناع بأن «القطاع العام في المرحلة القادمة يختلف في مكوّناته وأدواره عن مرحلة الاقتصاد الاشتراكي المركزي، وقد يقتضي ذلك الاستغناء عن بعض النشاطات والمؤسسات والشركات، سواء بالتصفية أو تعديل صيغة الاستثمار». ويضيف إنه «لا يمكن للقطاع العام الخوض في الإنتاج الاستهلاكي المرتبط بالأذواق ومتغيّرات الأسواق كالألبسة والأحذية وبعض الصناعات التحويلية البسيطة، وكذلك يجب الحفاظ على القطاعات والنشاطات ذات الأثر السيادي والاجتماعي كقطاع الطاقة والمياه وما شابه ذلك».
ربما تكون مسألة فصل إدارة شركات القطاع العام عن ملكية الدولة لها من أكثر الاقتراحات تداولاً خلال العقدين الأخيرين، وهي بحسب وزير الصناعة السابق، حسين القاضي، «خطوة ضرورية للانتقال بهذا القطاع من الخسارة والعجز والفساد إلى الربح والمحاسبة والشفافية». ويضيف القاضي في حديثه إلى «الأخبار» إن «هناك تجارب دولية كثيرة شهدت تحويل شركات القطاع العام إلى شركات مساهمة، وهي في الحالة السورية يمكن للدولة تملّك أسهمها بالكامل أو السماح للعاملين بشراء نسبة من الأسهم، وهذا من شأنه تطبيق مبادئ الحوكمة والالتزام بالإفصاح والشفافية في عملها وبياناتها، ومحاسبة الإدارة على الربح والخسارة أمام الهيئة العامة ومجالس الإدارة المنتخبة وغير المعيّنة بقرار حكومي».

العبرة بالإرادة
على أهمية الخطوة التي اتّخذتها الحكومة السابقة، والمتمثّلة في تشكيل «المجلس الأعلى لإصلاح القطاع العام الاقتصادي» وعقده عدّة اجتماعات دورية لبحث سبل معالجة مشاكل القطاع العام الصناعي، إلا أن العبرة تبقى - قياساً إلى التجارب السابقة - مرهونة بتوفّر الإرادة السياسية والتنفيذية لإحداث تحوّل تاريخي في هيكلة وبنية القطاع العام ودوره المستقبلي، ولا سيّما أن الحرب، على خسائرها وآلامها، مثّلت فرصة غير مسبوقة لتبنّي توجّهات إصلاحية جريئة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا