أثبتت التطوّرات التي رافقت حادثة اغتيال أحد أبرز شيوخ قبيلة العكيدات، مطشر الهفل، أن هذه الحادثة ستشكّل محطّة تأسيسية في مسار استعادة العشائر وزنها في المنطقة الشرقية، وهو ما برز أولاً في التضامن العشائري اللافت مع العكيدات بوجه الأميركيين الذين وُجّهت أصابع الاتهام إليهم بالوقوف وراء عمليات الاغتيال الأخيرة. هكذا، بدأت العشائر العربية تستردّ حضورها ومكانتها، بعد تهميش امتدّ منذ سيطرة مسلّحي «الجيش الحر»، ومن ثمّ «جبهة النصرة» و»داعش»، على مناطقها، وصولاً إلى انتشار الأميركيين و»قسد» في أرياف دير الزور خاصة. يأتي ذلك بعد مطالبات كثيرة من قِبَل العشائر لقوى الأمر الواقع بمنح أبنائها دوراً سياسياً وعسكرياً، في ظلّ استمرار غياب الحكومة السورية، ليأتي الردّ على تلك المطالبات بعمليات اغتيال طالت شيوخها ووجهاءها.

وعلى رغم أن من غير المحسوم هوية الجهة التي تقف وراء الاغتيالات، فضلاً عن إمكانية أن تكون لـ»داعش» يدٌ فيها، إلا أن وقوعها في مناطق سيطرة «قسد» و»التحالف» يجعل الكشف عن مرتكبيها من مسؤوليتهما. لكن، وبدلاً من بذل جهد جدّي وحقيقي في هذا الإطار، سعت «قسد» إلى لصق التهمة بدمشق، وهو ما قوبل برفض عشائري. وكانت دمشق، التي تعتقد أن من واجبها الوقوف مع أبناء العشائر في ما يتعرّضون له، رأت في الاغتيالات فرصة «لاستنهاض همّة العشائر لإطلاق مقاومة شعبية»، تُعوّل عليها في طرد الأميركيين من المنطقة، واستعادة سيادتها على ثرواتها النفطية والزراعية. وانطلاقاً من ذلك، رعت الحكومة السورية، أمس، بشكل غير مباشر، اجتماعاً لأبناء قبيلة العكيدات في مدينة دير الزور، أطلقت من خلاله القبيلة رسمياً «مقاومة شعبية ضدّ الوجود الأميركي في المنطقة»، إذ أعلن المجتمعون تأسيس مجلسين سياسي وعسكري للقبيلة، في محاولة لاستعادة حضورها ودورها في حزام المناطق النفطية في دير الزور. وأصدرت العكيدات بياناً أعلنت فيه «تشكيل جيش العكيدات، كجناح عسكري مسلّح لتحقيق التحرير الشامل للأراضي السورية بالتنسيق مع الجيش السوري، وللقضاء على الإرهاب». كما أعلنت «بدء المقاومة الشعبية ضدّ المحتلّ الأميركي وأدواته ومرتزقته، واعتبارهم هدفاً مشروعاً للمقاومة»، داعيةً «شيوخ ووجهاء العشائر المرتبطين بالمحتلّ وأعوانه من أبناء القبيلة والمنطقة إلى العودة إلى حضن الوطن»، ومُوجّهةً التحية إلى «الجيش السوري وحلفاء وأصدقاء سوريا والرئيس بشار الأسد». اللافت في البيان هو حرص القبيلة على التأكيد أن تحرّكها مدعوم من الجيش السوري، إضافة إلى رفضها ضمناً أيّ اتّهام لروسيا أو لإيران بالوقوف وراء حوادث الاغتيال. من جانبها، أرادت دمشق إشهار دعمها لهذه المقاومة، والذي سيعني حتماً إمدادها بالعتاد والسلاح.

أرادت دمشق إشهار دعمها لهذه المقاومة، والذي سيعني حتماً إمدادها بالسلاح


وفيما يُتوقع أن يشهد يوم غدٍ الثلاثاء اجتماعاً لشيوخ قبيلة العكيدات ووجهائها في ديوان القبيلة في بلدة ذيبان بعد الانتهاء من مراسم العزاء بالشيخ مطشر الهفل، دعت قبيلة الشرابيين «أبناءها وكافة القبائل إلى مقاطعة قسد والتوحّد لمقاومة الأميركيين القَتَلة وأذنابهم في سوريا». وكانت «قسد» بدأت، في محاولة لامتصاص الغضب العشائري ضدّها، برفع حظر التجوال عن بلدات ذيبان والحوايج والشحيل، بعد أربعة أيام من فرضه، وسمحت بعودة الحركة التجارية إلى هذه البلدات. كما أفرجت عن عدد من المدنيّين الذين اعتقلتهم خلال الأيام الماضية، بينما أبقت على عدد كبير من الحواجز في المنطقة لمواجهة أيّ هجمات جديدة على قواتها. جاء ذلك في وقت نشرت فيه مواقع كردية، مقرّبة من «قسد»، تصريحاً لأحد قيادات «قوات سوريا الديموقراطية» اتهم فيه «خلايا تابعة للنظام السوري باستهداف نقاط للأسايش في ريف دير الزور، بهدف زعزعة المنطقة ونشر الفتنة بين العشائر وقوات قسد». وأكدت وسائل إعلام سورية رسمية، من جهتها، «تدمير 3 آليات لقسد في مدينة الشدادي جنوب الحسكة، خلال توجّه رتل لها إلى حقل العمر النفطي في ريف دير الزور الشرقي»، فيما شنّ مسلّحون مجهولون هجوماً بالأسلحة الخفيفة على مقرّات «قسد» المنتشرة على ضفاف نهر الفرات، في بلدة جديد العكيدات في ريف دير الزور الشرقي.
في هذا الوقت، تداول ناشطون معارضون لـ»قسد» مقطعاً صوتياً لرئيس «مجلس دير الزور العسكري»، أحمد أبو خولة، يهاجم فيه العشائر ويقلّل من قدرتها على حكم مناطقها، وهو ما لاقى غضباً واسعاً في أوساط العشائر. ووفق المقطع الصوتي، قال أبو خولة إن «العشائر لن تنجح في إدارة مناطقها حالياً بوجود قسد والتحالف الدولي هناك، خصوصاً بعد فشلها إبّان سيطرة قوات المعارضة وداعش على تلك المناطق». وتابع: «عشائركم تريد أن تدير دولة، وهي قسم يُشبّح لأردوغان، وقسم يُشبّح للأسد (...) الآن الشوايا تريد أن تدير دولة».