الحسكة | تتكرّر معاناة مزارعي محافظة الحسكة مع الحرائق للموسم الثاني على التوالي، الأمر الذي اعتبرته المؤسسة العامّة للحبوب السورية تهديداً لكمّيات الإنتاج لهذا العام. وتنذر الأرقام المتعلّقة بحرائق هذا العام بخطر يهدّد الموسم، وسط مشاهدات شعبية أكدت وقوف واشنطن خلف الحرائق، في وقت غابت فيه «داعش» عن أي تبنّ للحرائق، على عكس العام الماضي. هذا العام، بات اشتعال النار في حقول القمح والشعير في محافظة الحسكة مشهداً شبه يومي، مع بدء موسم الحصاد، الذي عادة ما يستمر حتى نهاية شهر حزيران.

يحدّثنا سائق سيارة الأجرة، التي تتنقّل بنا بين حقول القمح والشعير في منطقة الحسكة، عن «احتراق مساحات زراعية في قريته شرق الحسكة، بعد دقائق من سماع السكّان هديراً لطائرات أميركية في المنطقة». وتكرّرت هذه الحالة في قرية عدلة في الريف الجنوبي للحسكة، عندما شاهد غالبية سكان القرية طائرات مروحية تلقي بالونات حرارية فوق الحقول الزراعية، ما أدّى لاحتراق مساحات واسعة من الحقول. تواصلت «الأخبار» مع عدد من سكان القرية الذين رووا تفاصيل الحادثة. أبو محمد، أحد سكّان القرية، يقول إن «طائرتين مروحيتين كانتا تحلقان على علو منخفض، قامتا بإلقاء خمسة بالونات حرارية فوق الحقول الزراعية في القرية»، مؤكداً أن «تواجد عدد من السكان بالقرب من الحقول أدى إلى نجاحهم في إخماد ثلاثة منها، فيما أتت النيران على حقل آخر».
تتقاطع هذه الشهادات مع ما نُشر في تقرير على موقع «إنترناشونال بزنس تايمز»، بنسخته الصادرة في سنغافورة، والذي يفيد بأن «الحرائق التي تعرّضت لها حقول القمح في منطقة الجزيرة السورية أخيراً، نفّذتها القوات الأميركية بأوامر مباشرة من الرئيس دونالد ترامب». وأكد الموقع، في التقرير الذي حمل عنوان «مؤكد… ترامب أمر بحرق محاصيل القمح وسط الجائحة»، أن «القوات الأميركية كانت تنفّذ أوامر أقرها البيت الأبيض»، وأن «ترامب وقّع أوامر بحرق الأراضي الزراعية في سوريا».
وتأتي هذه التحركات الأميركية في إطار منع وصول القمح إلى مخازن الدولة السورية، التي توقّعت إنتاج أكثر من ثلاثة ملايين طن هذا الموسم، وهو ما سيمكّن البلاد من تأمين احتياجها من الخبز ذاتياً، بلا الحاجة إلى عقود توريد الدقيق بالقطع الأجنبي. وتتماهى هذه التصرفات، مع الانتشار الأميركي في محيط حقول النفط والغاز في دير الزور والحسكة، لتضمن بذلك واشنطن حرمان دمشق من الاستفادة من موراد النفط والزراعة الاستراتيجية.
بالموازاة، تسبّبت نيران القذائف التي يطلقها الجيش التركي، وتبادل إطلاق النار شبه اليومي مع «قسد»، في ريفي تل تمر وأبو رأسين، باحتراق غالبية الحقول الواقعة على خطوط التماس هناك. ويؤكّد تُركي، وهو أحد سكان بلدة أبو رأسين، لـ«الأخبار»، أن «الأتراك يتعمّدون إطلاق قذائفهم باتجاه الحقول الزراعية، بهدف إحراقها، وحرمان السكان الاستفادة منها». ويضيف أن «الاشتباكات المتكررة بين المسلحين وقسد أدت أيضاً إلى احتراق مساحات زراعية كبيرة في أكثر من ثماني قرى في ريف أبو رأسين». كما يكشف الرجل عن «فرض المسلحين إتاوات كبيرة على المزارعين في القرى الخاضعة لسيطرتهم، ما جعل موسمهم خاسراً».

تسبّبت الحرائق حتى الآن بتضرّر أكثر من 4800 هكتار


وفي هذا السياق، يكشف مدير زراعة الحسكة، رجب سلامة، لـ«الأخبار»، أن «الحرائق تسبّبت حتى الآن بتضرّر أكثر من 4800 هكتار، منها 1800 هكتار من الشعير، و3000 هكتار من القمح»، موضحاً أن «العام الفائت تسبّبت الحرائق بتلف 50 ألف هكتار، منها 24500 من القمح، و25500 من الشعير». وسجّلت إحصاءات مديرية الزراعة في الحسكة زراعة 460 ألف هكتار من القمح، و490 ألف هكتار من الشعير، وسط توقّعات بإنتاج 850 ألف طن من القمح، وأكثر من مليون طن من الشعير.
لا مراكز لاستلام الشعير
شهد موسم الشعير، في العامين الفائتين في محافظة الحسكة، ازدهاراً واضحاً، ما دفع الكثير من السكان إلى التوجّه لزراعة محصول الشعير، لانخفاض تكاليف زراعته وإنتاجه، وتحقيقه أرباحاً جيّدة. ولم تستمر فرحة المزارعين طويلاً، مع عدم وجود أي إعلان من الحكومة السورية، أو «الإدارة الذاتية»، أو تجهيز وفتح مراكز لاستلام محصول الشعير هذا الموسم، ما أدّى إلى انخفاض سعره في السوق المحلية لأقل من 90 ليرة سورية/كلغ.
في قرية السبع سكور، شرق الحسكة، يبدو مصطفى سعيداً جدّاً بانتهائه من حصاد محصول شعير هذا الموسم، وهو يحلم بشراء سيارة شحن صغيرة، بالإضافة إلى تأمين مبلغ من المال يلبّي به احتياجات أسرته. لكن مصطفى، يبدي تخوفاً من أن «يذهب تعبه أدراج الرياح بعد تأخّر افتتاح مراكز استلام الشعير هذا العام، وانخفاض أسعاره بشكل واضح في الأسواق المحلية»، مشيراً إلى أن «السعر في الأسواق لا يساوي حتى تكاليف الإنتاج». من جهته، يطالب مختار قرية رجوم بطمة، الحاج حسن العيسى، الحكومة السورية بـ«افتتاح مراكز لاستلام الشعير، نظراً إلى وجود مساحات واسعة مزروعة بالشعير، معرّضة للتلف، أو البيع بأسعار زهيدة». ويضيف الحاج حسن، في حديث إلى «الأخبار» أن «المزارعين اعتادوا على الدعم الحكومي، ويثقون بالحكومة السورية، التي تُعتبر صمام أمان دائماً لهم في المحافظة». في المقابل، تحدّثت مصادر في المؤسسة العامة للأعلاف، المعنية بشراء الشعير، لـ«الأخبار»، عن أن «توجيهات حكومية شفهية وصلت إليهم بعدم افتتاح أي مركز لاستلام الشعير في كامل البلاد». وأكدت المصادر أنهم «لم يُبلّغوا بالأسباب التي دفعت الحكومة لاتخاذ هذا القرار، الذي لم يُعلن رسمياً».