زار، الأحد الماضي، وفد ليبي ضمّ نائب رئيس الحكومة الموقتة الموالية للمشير خليفة حفتر، عبد الرحمن الأحيرش، ووزير الخارجية فيها عبد الهادي الحويج، سوريا، والتقى رئيسها بشار الأسد ومسؤولين حكوميين. وعقب ذلك بيوم واحد، أُعلن عن افتتاح السفارة الليبية في دمشق، على أن يُعيَّن سفير في المستقبل القريب، وتَفتح سوريا تمثيلية في شرق ليبيا. من الناحية القانونية، لا تُمثّل الحكومة الموقتة في شرق ليبيا البلاد رسمياً؛ إذ تعترف الأمم المتحدة ويتعامل السواد الأعظم من أعضائها مع حكومة «الوفاق» القائمة في طرابلس. لكن عملياً، يحظى محور حفتر بنوع من الاعتراف، تَكرّس مع استقباله في أكثر من عاصمة وفعالية دولية، وآخرها «مؤتمر برلين». ويسيطر حفتر ومحوره، الذي يضمّ القسم الأكبر من البرلمان المنتخب عام 2014، إضافة إلى الحكومة الموقتة، على شرق البلاد وجنوبها على نحو شبه كلي. وتعني السيطرة الأمن في المقام الأول، لكنها تنسحب أيضاً على جمع الضرائب والاستيراد والتصدير، من دون أن تشمل الطاقة وإدارتها، التي تحتكرها «المؤسسة الوطنية للنفط» الموجودة في طرابلس. لكن محور شرق ليبيا، وإن كان يتصرّف كدولة، إلا أنه ليس دولة قائمة بذاتها، ولذلك يبقى هاجسه السيطرة على طرابلس، رمز سيادة البلاد.

حالة سوريا مختلفة طبعاً؛ إذ على رغم كلّ ما حصل تبقى الحكومة السورية ممثلة للدولة ومعترفاً بها. وتلك هي النقطة الغريبة الأولى في تطبيع العلاقات مع حفتر، والذي يُعدّ سابقة لم تُقدِم عليها حتى أشدّ العواصم العربية دعماً للمشير ومحوره. أما النقطة الغريبة الثانية فهي اختلاف التحالفات بين بنغازي، مركز ثقل محور حفتر، ودمشق. ارتبط المشير، منذ إطلاقه «عملية الكرامة» عام 2014، بالسعودية والإمارات خاصة، في وقت كانت فيه هاتان الدولتان تقودان جهوداً لإسقاط الحكومة السورية. في المقابل، ترتبط سوريا بتحالف وثيق مع إيران، فيما لا يخفي حفتر عداءه للأخيرة، حتى إن محوره كرّر ادّعاءات على مدى الأشهر الماضية حول استعانة حكومة «الوفاق» بطهران وتلقّي أسلحة منها. لكن، مع ذلك، ثمة تقاطعات مصلحية بين الطرفين؛ إذ يسعى محور حفتر إلى إثبات وجوده وقدرته على الحركة، بعدما فشلت جميع محاولاته لنيل اعتراف عربي على رغم دعم حلفائه ومن بينهم مصر، فيما تحتاج الحكومة السورية إلى فكّ العزلة عن نفسها في محيطها العربي، وهو ما يظهر في تصريح نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، الذي قال الثلاثاء إن «سوريا منفتحة على التعاون، ولا عمل عربياً مشتركاً من دونها». يضاف إلى ما تقدّم أن الطرفين يواجهان عدواً مشتركاً هو تركيا ومن يدور في فلكها، ولا سيما جماعة «الإخوان المسلمون»، الأمر الذي برز في تصريحات مسؤولي الجانبين، وتشديدهم على مواجهة «الغزو التركي» للأراضي العربية. وفي هذا الإطار، ربما يكون التنسيق مفيداً في مواجهة الحضور التركي في ليبيا وسوريا، وخاصة من النواحي العسكرية والأمنية والاستخبارية. أيضاً، تتحالف كلّ من دمشق وبنغازي مع موسكو التي لها حضور عسكري في البلدين: في سوريا بشكل رسمي، وفي ليبيا عبر شركات أمنية، تتوافر أدلة على مشاركة مقاتلين منها في الحرب، على رأسها سجل رحلات الطائرات الروسية التي تقلع من سوريا باتجاه شرق ليبيا. وبالمثل، جلبت تركيا حوالى ألفَي عنصر سوري من الفصائل الموالية لها للقتال في غرب ليبيا.
بشكل عام، تنحصر الفوائد التي يمكن أن يجنيها الطرفان من تطبيع علاقاتهما في الملفات الأمنية، مع احتمال انفتاح باب لسوريا على استثمارات في شرق ليبيا وعلاقات تجارية، لكنه يبقى محدوداً. أما في الجانب السياسي من العلاقات، فلا يبدو أن ثمة نقاطاً مشتركة بخلاف العداء لتركيا والإسلام السياسي بنسخته «الإخوانية»، وهو عداءٌ تتقاسمه معهما أيضاً القاهرة والرياض وأبو ظبي، التي لا يستبعد أن يكون لها دور في ترتيب الزيارة، كونها تصبّ في مصلحتها في نهاية المطاف.