دمشق | لم يكن ينقص الصناعة النسيجية السورية إلا قرار جديد يقضي برفع المؤسسة العامة للصناعات النسيجية أسعار الغزول القطنية المنتجة لديها بنحو 40%، بعد أقل من شهر على رفعها 26% مقارنة ببداية العام الماضي. ومع مرور شهرين على إصدار القرار، فإن آثاره تتواصل على الصناعيين الذين يئنّون تحت صعوبات محاولة استعادة ألق مهنة أتت الحرب على أبرز معاملها في حلب، فأكلت «الذهب الأبيض» والصناعات القائمة عليه، وخلفت دماراً في القطاع. يتغنى الصناعيون القدامى بحكاية تأسيس معمل غزل الفرات، أيام «الزمن الجميل»، حين قامت الشركة الصينية المعنية بتجهيز المعمل بالآلات وتركيبها بإتمام الأمر من غير أي مقابل نقدي من الطرف السوري، بل اكتفت بطلب مدّها بالخيط السوري من إنتاج شركة «غزل الفرات» نفسها.

«التيلة الطويلة»، اسم يحمله خيط النسيج في بعض بلدان زراعة القطن كسوريا ومصر، وهو يعتبر أجود أنواع الخيوط النسيجية في العالم، بما يجعله مطلباً لدول صناعية كبرى، كالصين مثلاً. بفضل أنواع القطن السوري المتعددة، ومنها ذو «التيلة الطويلة» والصناعات القائمة عليه، شغلت الصناعة النسيجية حيّزاً يقدر بـ 40% من الاقتصاد السوري، عبر 24 شركة مثّلت دائرة متكاملة لهذه الصناعة القيّمة. غير أن واقع الحال اليوم يروي مأساة الصناعات النسيجية، إذ لم تعد تتجاوز 2% من حجم اقتصاد البلاد، من خلال مبيعات المؤسسات الحكومية التي قُدّرت بـ 187 مليار ليرة خلال العام الفائت، حتى شهر أيلول/ سبتمبر، بنسبة تنفيذ 43% مقارنة بالكميات المخططة، وبزيادة نحو 15% عن مبيعات الفترة المماثلة لعام 2018، حين وصلت إلى 162 مليار ليرة. وبحسب دراسة أعدّها «مجلس الوحدة الاقتصادية العربية» حول الصناعة النسيجية في سوريا، عام 2015، فقد بلغت قيمة إنتاج القطاع النسيجي في سوريا حوالى 3,1 مليارات دولار عام 2010، بتعداد لليد العاملة يصل إلى 350 ألف عامل شكّلوا 30% من العاملين في القطاع الصناعي كله.

المطلوب، بحسب صناعيين، تخفيض كلفة المادة الأولية


ولا يمكن أن يغيب عن بال الصناعيين النسيجيين ثقل سنوات الحرب القاسية، التي ركزت خلالها تركيا على تدمير ما نافس اقتصادها، فكان لمصانع النسيج وآلاته الحصة الأكبر من التدمير والسرقات في حلب. حتى إن بعض سكان المدينة يشهد أن تدمير هذه المشاغل والمنشآت كان انتقائياً، ضمن المناطق السكنية غير المتضررة. ومع ترميم بعض الشركات والمعامل المتضررة جزئياً في الفترة الأخيرة، والتي بدأت العمل فعلياً، كشركة حلب للنسيج والوليد والخماسية، لا تلوح أي نوايا لإعادة تأهيل الشركات الأضخم والمتضررة كلياً، كشركة «الفرات للغزل» في دير الزور، وشركة «المغازل والمناسج» في القابون، و«الشركة الحديثة» على طريق جرمانا. ويبدو أن ما يشغل القيّمين على الاقتصاد والصناعة في البلاد يتمثّل فقط في قرارات مجحفة تقوم على مبدأ الجباية من غير أي تسهيلات لعودة عجلة الإنتاج إلى ما كانت عليه. وذلك من خلال القرار «المشؤوم»، حسب وصف بعض الصناعيين، الذي تم فيه تسعير الكيلوغرام الواحد من الغزول القطنية المسرّحة ابتداء من 1560 ليرة الى 2255 لغزول اللاذقية، و1535 ليرة الى 2210 ليرة لغزول جبلة للنمرة 40/1. هذه الأسعار، بحسب القرار، مخصصة لبيع الغزول القطنية القابلة للبيع داخلياً بالليرة السورية. هذا فضلاً عن آراء رسمية تقيّم الواقع الحالي للقطاع، من خلال دراسات تُجرى على مصانع مدمّرة، وتخلص إلى عدم وجود جدوى اقتصادية من إعادة المصانع النسيجية إلى الإنتاج!

القطاع الخاص وإعادة التوازن الإنتاجي!
الكثير من الشركات التي كانت تُعنى بتصدير النسيج إلى الخارج واجهت خلال الحرب الإفلاس أو التدمير، حتى إن الوسط الصناعي فُجع بالإعلان عن مناقصة شركة الشرق العامة للألبسة الداخلية، لبيع منتجات العام الفائت في المزاد العلني، بعدما كسدت بضائع الشركة نفسها «التي كانت تصدّر إلى فرنسا من غير علامة تجارية، وتباع بضائعها في باريس على أنها صناعة فرنسية»، بحسب ما ينقل صناعيّو القطاع. وإذا بات واقع العقوبات الاقتصادية على سوريا يفرض التوقف عن التصدير، فما حال السوق الداخلية اليوم؟ وما الذي دفع بهذه الشركة العامة وشركات مماثلة من القطاع الخاص إلى الوصول الى حدّ الانهيار؟
تبدأ دائرة الصناعات النسيجية من زراعة القطن، لتنتقل إلى محالج تحدد جودة القطن الذي تخرجه، ليصل القطن بعدها إلى معمل الغزل، الذي يجب أن يخرج خيطاً نظيفاً وبجودة عالية. يشير الصناعي عاطف طيفور إلى ضرورة مواكبة شركات غزل قوية وغزيرة الإنتاج مثل معامل «غزل جبلة» و«الساحل للغزل» و«غزل اللاذقي» ومعمل «خيوط حماة»، بمصانع نسيج قادرة على أن تصوغ الخيط وتحيله نسيجاً، إضافة إلى أهمية معامل الصباغة والتحضير. ويعزو طيفور خطورة واقع الصناعات النسيجية إلى كونه ما عاد قائماً على دائرة متكاملة، أي أن «هناك شركات تنتج خيوطاً بشكل متزايد، من غير وجود شركات لإنتاج النسيج أو الصباغة بذات الطاقة الإنتاجية». ويعلق على حجج عدم الجدوى الاقتصادية من تأهيل بعض المصانع المدمرة، بأن «الجدوى لا يجب أن تُحتسب بقيمة تكاليف المصنع، بل بالقيمة المضافة التي تتضاعف عند ترميم المعمل». ولا يخفى أن معظم منشآت القطاع الخاص تضرّرت بشدة، إذ سرق 90% من الآلات في القابون وتل كردي والقدم، إضافة إلى سرقات طاولت معظم الآلات في معامل حلب. وكانت مدينة القابون الصناعية تحتوي وحدها على 400 معمل نسيجي، بما يتضمن مراحل التحضير والأقمشة والصباغة وإعادة تدوير الخيوط. بينما بقي الإنتاج آمناً في منشآت صحنايا القائمة على معامل الغزل الصناعي، وليس القطني. وبحسب الاستراتيجية المتبعة من قبل، فإن الدولة تبيع الخيوط للمعامل الخاصة، على أن تنتج هذه الأخيرة بضائعها وتدخل على خط التصدير، باعتبار شروط مؤسسات القطاع العام للتصدير أصعب، لالتزامها بقوانين التصدير بالعملة الصعبة، وفق سعر محدد، إضافة إلى روتينها وتكاليفها المرتفعة مقارنة مع مرونة القطاع الخاص.

تخفيض الكلف وحلول ممكنة
لا تبدو البيئة الاستثمارية للصناعة النسيجية في سوريا آمنة، مع ما يحققه الصناعيون السوريون في بلدان أُخرى، ولا سيما في مصر حيث الواقع الاستثماري المناسب للإنتاج وتكاليف حوامل الطاقة المقبولة. بل تُظهر الصورة تحييداً كلياً للقطاع الخاص السوري عن أي تشجيع للعودة إلى الإنتاج، إذ لا محاذير لدى الرسميين من بقاء الخيط مخزناً في المستودعات وتخفيف الطاقة الإنتاجية لمعامل القطاع العام، واختصار مستلزمات الإنتاج والصيانة وقطع الغيار والتطوير، الأمر الذي يضرّ بالإنتاج والخزينة العامة.
المطلوب، بحسب صناعيين، تخفيض كلفة المادة الأولية، باعتبارها «مادة صناعية وطنية تنتج محلياً، إضافة إلى معالجتها في محالج محلية، عبر عمال يقبضون أجورهم بالليرة السورية، وصولاً إلى شركات الغزل وعمالها، وتقدم إنتاجها كاملاً محلياً وبالعملة المحلية»، حسب تعبير الصناعي طيفور. يضيف الأخير إن «قطع غيار الصيانة للآلات هي التي تتطلّب تكاليف بالعملة الصعبة، ولم يحصل طلب على أي قطع غيار منذ أكثر من عام». وتخفيض الأسعار يعني تطوير الصناعة، عبر توفير المواد الأولية للقطاعين العام والخاص، كما يمنع التهريب تلقائياً، إذ يصبح المنتج الوطني أرخص من المنتجات الأجنبية. ويمكن أن يظهر أثر ذلك على مستوى المناشف التي تشتريها ربات المنازل في سوريا، حيث أصبحت أغلى ثمناً من مثيلاتها من المنتجات التركية والصينية والمصرية.