تداول بعض التقارير الإسرائيلية توصيات بضرورة تعزيز هجمات سلاح الجو الإسرائيلي على الساحة السورية، بالاستناد إلى تقدير مفاده أن عملية اغتيال قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، الفريق قاسم سليماني، أنتجت فرصة لخيار من هذا النوع، على اعتبار أن غيابه - وفق تلك التقارير - يمهّد الأرضية للانقضاض على ما تسمّيه إسرائيل «الوجود الإيراني» على الساحة السورية. لا شكّ في أن اغتيال سليماني شكّل نقطة تحوّل في حركة الصراع على مستوى المنطقة، وهو توصيفٌ تبنّته إسرائيل بشكل رسمي، وظهر صريحاً في التعديلات التي أحدثتها الاستخبارات العسكرية «أمان» في تقديرها السنوي، وأيضاً في التقدير الاستراتيجي لـ«معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، والذي اضطر هو الآخر إلى تعديل تقديراته على ضوء الحدث. بدا واضحاً، بالنسبة إلى الإسرائيليين، أن هذه العملية ألقت وستلقي بظلالها على كلّ ساحات محور المقاومة وصولاً إلى فلسطين، وإن لم تكتمل حتى الآن معالم المرحلة المقبلة.

لكن حقيقة أن لاغتيال الفريق سليماني تبعاته على ساحات محور المقاومة لا تعني أن تلك الساحات باتت مكشوفة أمام كيان العدو، وكأن موازين القوى الإقليمية تغيّرت في مواجهته. بخصوص الساحة السورية، ما ينبغي تأكيده هو أن توجّه العدو نحو تركيز هجماته على الساحتين السورية والإقليمية كان أعلنه رئيس الأركان الإسرائيلي، أفيف كوخافي، قبل ثمانية أيام من حدث الاغتيال، قائلاً: «في الوقت الذي أقف فيه هنا، نحن مستمرون في استئصال القدرات الإيرانية التي تهدّد دولة إسرائيل من أرض سوريا». وفي تعبير صريح عن نية إسرائيل مواصلة اعتداءاتها على سوريا وتزخيمها، أكد كوخافي في كلمته أمام مؤتمر «هرتزيليا» أن «هذا هو الواقع حالياً، ونحن ننوي الاستمرار في هذا النشاط، وننوي فعل ذلك ببصيرة وبمسؤولية وبنظرة جبهوية ضمن أخذ كلّ الاعتبارات وكلّ التأثيرات وكلّ التبعات بالحسبان». مع ذلك، لم يخفِ كوخافي جانباً أساسياً آخر من خلفية ذلك التوجّه العملاني، مشيراً إلى أنه «في الوقت الذي تحدّثنا فيه عن إيران وعن الصواريخ، فإن الجيش السوري يستعيد قوته، صحيح أنه لن يعود بالضرورة إلى بنيته التقليدية التي بالمناسبة لم يتضرّر القسم الأكبر منها خلال السنوات العشر الأخيرة، لكنه يركّز على قدرات عصرية وصواريخ أرض- جو وقدرة صاروخية وقدرات متطورة أخرى». ولم تكن عبثيةً إضاءة كوخافي على هذا الجانب، إذ إن الأخير يكتنف أحد أخطر السيناريوات التي تخشاها إسرائيل، والذي أراد رئيس الأركان التحذير من مخاطره الاستراتيجية على المعادلة الإقليمية. في السياق نفسه، تناولت صحيفة هآرتس (27/12/2019)، قبل ستة أيام من اغتيال سليماني، توجّه الجيش المذكور بالقول إنه «تَظهر من خطاب كوخافي، وأيضاً من أحاديث مع مسؤولين كبار في المستوى السياسي وفي المؤسسة الأمنية، صورة موحدة جداً: إسرائيل ستزيد جهود ضرب الإيرانيين في الشمال. الهدف الأخير لهذه العمليات أقلّ وضوحاً... يبدو أن الجيش يعتقد أن الهدف الأكثر واقعية سيكون تقليص وجود الحرس الثوري والميليشيات الشيعية هناك».
هكذا، يتّضح بالمعطيات الملموسة أن توجّه إسرائيل نحو تصعيد اعتداءاتها على الأراضي السورية كان حاضراً على المستويين الرسمي والإعلامي قبل عملية الاغتيال، ومن الطبيعي أن يستمرّ بعدها، بمعزل عن إمكانية نجاحه من عدمها. تدرك إسرائيل أنه على الرغم من هامش المبادرة الذي استطاعت أن تفرضه مع بداية الأحداث، وتحاول من خلاله استهداف ما ترى أنه تهديد مُلحّ لأمنها، إلا أنها كانت في المقابل محدودة بقيود حرصت على عدم الاصطدام بها، خشية أن يؤدي ذلك إلى تصعيد متدرّج. وعندما لامستها في بعض الأحيان كانت تتلقى مقابلها ردوداً، وهي ردود يمكن في أيّ محطة أن تتدحرج إلى ما هو أبعد من ذلك. قد يكون المستجدّ، في هذا السياق أن استراتيجية «المعركة بين الحروب» قد استنفدت نفسها، وفق ما أكده الكثير من الخبراء من ذوي الصلة بالمؤسسة الأمنية، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى دراسة خياراتها البديلة، وخاصة أن الهدف من وراء الاستراتيجية المذكورة، أي إخراج إيران وحلفائها من سوريا، لم يتحقق، وهو ما أقرّ به كوخافي نفسه عندما قال «إن لم نعمل، فإن الوسائل القتالية ستبقى»، الأمر الذي يعني تسليمه بفشل إسرائيل في منع التمركز العسكري الإيراني. ولم يتجاهل كوخافي وجود مخاطر يستبطنها الارتقاء بالسياسة العدوانية على الساحة السورية، إذ قال: «إنْ عَمِلنا فثمة احتمال كبير أن يردّ الإيرانيون، لذلك فإن الطريق إلى المواجهة قصير».
هذه المخاطر التي قد تتفاقم وتتمدّد إلى ساحات أخرى تُعمّق حاجة كيان العدو إلى حضور ودور مباشرين للجيش الأميركي. ويعود ذلك - من ضمن عدة أمور - إلى أن انفتاح ساحات محور المقاومة بعضها على بعض والتعاضد في ما بينها فاقما حجم التهديدات المحدقة بإسرائيل، وجعلاها أكثر حذراً في تقدير عواقب أيّ مغامرة، وفي الوقت نفسه ضيّقا خياراتها، وقد يكونان أدّيا إلى ارتفاع احتمالات التقدير الخاطئ لديها.