ربّما تكون العودة إلى المرحلة الأولى من الحرب في سوريا لقراءة المشهد الكردي والبحث في النشاط السياسي والعسكري للأكراد، الذي بدأ فعلياً عام 2012، مفيدة للاستدلال على إخفاق القوى الكردية في التحالف مع أي طرف وازن في دمشق، يساعد في طرحهم كطرف سوري قادر على لعب دور سياسي يتناسب مع حضورهم العسكري على الأرض. ولعل مقولة الكاتب جوناثان راندل، في كتابه «أمة في شقاق»، عن أن «الكرد يخسرون في السياسة ما يكسبونه على الأرض»، باتت تصح لمقاربة الواقع الحالي إذا ما بقي على حاله، ولم تبدأ مفاوضات حقيقية مع الحكومة السورية.

لم ينحصر فشل القوى الكردية على نسج التحالفات مع القوى السورية خارج الإطار الكردي فقط، بل كان في الحقيقة واقعاً كردياً داخلياً أيضاً، إذ لم ينجح «حزب الاتحاد الديموقراطي» (PYD)، الذي يقود «الإدارة الذاتية»، في بناء تحالفات كردية ــــ كردية، جراء فشل تجربة «الهيئة الكردية العليا» من عام 2012 حتى 2014، واستمرار الصراع مع أحزاب «المجلس الوطني» الكردي. والآن يعيد الكثير من قادة الكرد إقصاءهم عن «اللجنة الدستورية» وتجنب التحالف معهم، إلى ضغوط تركية على مختلف الأطراف السورية والدولية لعزلهم سياسياً. فرغم مساعي الكرد و «مسد» إلى استثمار الحرب ضد تنظيم «داعش»، بكسب تعاطف الوفود الإعلامية والدبلوماسية التي زارت مناطقهم، فإن الدعم السياسي الرسمي الدولي والمحلي بقي غير حاضر كما يجب.
ربّما أُخذ على الكرد في البدايات، وحتى اليوم، رفع رايات وأعلام تمثل حالة حزبية كـ«راية حزب الاتحاد» وصورة قائد «حزب العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، ما زاد عدد الأصوات المتهمة لهم بـ«الانفصال». وفي هذا السياق، يرى الباحث الكردي فريد سعدون، أن «الاتحاد الديموقراطي معروف بأنه حزب شمولي، ويرفض الشراكة مع أي طرف»، مبيناً أن «مفهومهم للشراكة هو أن تكون تابعاً في المكاسب وليس في صنع القرار». ولفت سعدون إلى أن «هذه الأيديولوجية أدّت إلى العجز عن بناء تحالف أو شراكة حقيقية مع أي طرف سوري». وفي ظل العزلة السياسية، أتى القرار الأممي بتشكيل لجنة لمناقشة الدستور السوري وتعديله، دون أي ممثل من «مسد» وقوى كردية أخرى، ما يعني استبعاداً أممياً لهم من الحل السياسي.

أخفق الكرد طوال الحرب في التحالف مع أي طرف وازن في دمشق


يفسر رئيس «مجلس سوريا الديمقراطية»، رياض درار، قرار الاستبعاد بأنه بسبب «الفيتو التركي تجاه رفض دورنا ككرد و‘مسد’ في الفعاليات السياسية كافة وليس من اللجنة فقط». ويرى درار، في حديث إلى «الأخبار»، أن «ما سيصدر عن هذه اللجنة ـــ إن نجحت ـــ لا يمثّلنا ولا يعنينا، لأننا غير ممثلين»، مستدركاً: «هم لن ينجحوا ما دام لا يوجد ممثلون عن شمال وشرق سوريا... دورنا في المنطقة فعال ومؤثر، وعلى الجميع أن يدرك ذلك». هذا الموقف، يؤكده مستشار الرئاسة المشتركة لـ«الاتحاد الديموقراطي»، وعضو الهيئة الرئاسية لـ«مسد»، سيهانوك ديبو، بالقول إن «أي دستور ستكتبه هذه اللجنة سيكون دستوراً لجمهورية سوريا الغربية فقط»، مؤكداً أنهم «غير ملزمين كل ما يصدر عن اللجنة بأدواتها ووسائلها وأعمالها ومقرراتها، بسبب تغييب جزء مهم من سوريا، يقطن فيه أكثر من خمسة ملايين سوري».
بموازاة ذلك، كشف بيان الخارجية الأميركية المرحّب بتشكيل «الدستورية»، دون المطالبة بتمثيل القوى الكردية الحليفة لها، عن غياب الرعاية السياسية الفعلية للكرد ضمن ما يُطرح من حلول سياسية لإنهاء الحرب. ثم جاء حديثٌ مهدئ على لسان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، عندما قال في مؤتمر أمس، إن «هناك ممثلين عن الشمال الشرقي لسوريا سيشاركون في اللجنة الدستورية المشكلة حديثاً»، مشيراً إلى أن «مجلس سوريا الديمقراطية واحد فقط من الهيئات السياسية العديدة الموجودة شمال شرقي سوريا، وهناك 50 شخصاً اختارتهم الأمم المتحدة لتمثيل» المنطقة. ويعلّق ديبو على كلام جيفري، بالقول إن «هذا الموقف مدان، وهو إلى جانب موقف ضامني أستانا يعتبر دليلاً إضافياً أن الحل في سوريا بعيد المنال». أما درار، فيقول إنهم «لم يتوقعوا أي دعم أميركي في هذا الملف»، لأن تحالفهم مع واشنطن «عسكري وليس سياسي»، فضلاً عن أنهم «لم يتلقوا أي وعود أميركية بالدعم السياسي... لواشنطن سياستها الخاصة بها، ونحن لسنا بصدد نقاش هذا الأمر معهم».
أمام هذا الاستبعاد، بدأت الأصوات الكرديّة المطالبة بالحوار الجدي مع الحكومة السورية، ترتفع، إذ يرى أصحاب هذه الرؤية أن ذلك هو السبيل الأنسب لإعادة المنطقة إلى الحالة السورية في ظل «الفيتو» التركي، وغياب الدعم السياسي الأميركي والغربي. ويرى هذا التيار أن من لم يدافع عن تمثيلهم في «الدستورية» سيسمح لتركيا باستباحة مناطقهم حينما تنتهي مصالح واشنطن معهم. في السياق، يؤكد ديبو، أن «رؤيتهم للحل تكمن في الإيقاف الفوري لما يسمّى اللجنة الدستورية، وإطلاق حوار جدي ومباشر مع دمشق بإشراف أممي، ودور أساسي لروسيا، لإنجاز اتفاق نهائي معها». هذه الرؤية يرى الأكاديمي سعدون أنها «صعبة في ظل الوجود الأميركي في المنطقة»، ويقول: «استمرار وجود واشنطن يعني أنه لا حل سياسي في سوريا... الإدارة الذاتية غير قادرة على إنجاز أي اتفاق مع الحكومة أو أي طرف آخر دون موافقة الولايات المتحدة»، ولذلك «الحل لشرق وشمال سوريا هو تشكيل لجنة حكماء يمثلون أبناء المنطقة لتقرير مصيرها، والعودة بها إلى الحالة السورية».