«سوا ربينا»، هكذا يعبّر أبناء قرية الرقة، الواقعة ضمن حي الوعر، غربي حمص، عن علاقتهم القديمة بجيرانهم في الحي، قبل أن تزورهم «الثورة» وشعاراتها. وإذ ترسّخت التسوية في الحي، بعد مضيّ عامين منذ رحيل آخر مسلح رافض للتسوية عن المنطقة، فإن الملفّين الانساني والاجتماعي بين الحي ومحيطه المختلف طائفياً، ممثّلاً بقريتي المزرعة والزرزورية، إضافة إلى الرقة التي تم تهجير أهلها مطلع الأحداث الأمنية في الحي، يبدوان أكثر تعقيداً. لم تعش المنطقة حالة التفرقة قبل ذلك الحين، إذ تشارك الأهالي في علاقات مصاهرة، وأحيت جوامع الوعر المناسبات الدينية بالتشارك مع حسينيات هذه القرى، فيما جمعت المدارس تلاميذ المنطقة بعيداً عن «التناقضات الدينية أو التاريخية». غير أن العبور إلى الحرب تطلّب استباحة الرقة وتهجير أهلها نحو المزرعة وباقي القرى ذات اللون الطائفي الواحد، ليتحوّل بعدها شبّان هذه القرى إلى لجان حراسة لمداخل القرى، مترصدين مسلحي الوعر، غير آبهين باتهامات لا تنتهي.

قناص الحي الحمصي المشحون ضد أهالي الرقة والمزرعة لم يتوقّف طيلة الحرب عن استهداف جيرانه، وكذلك رماة القذائف والصواريخ. وتوالت الاتهامات ضد مقاتلي اللجان الشعبية من هذه القرى بأنهم يعرقلون تسوية الوعر، المتعثرة أصلاً. قيل الكثير حول ذلك. البعض ردّد أنه «ليس لصالح من امتهن الحرب أن يجنح نحو السلم»، كتعليق على شائعات خرق الهدن العسكرية مرات عديدة من قبل مقاتلي القرى المجاورة للوعر، في مقابل خروقات أخرى تسبب بها مسلحو الحي، بدورهم. أما امتهان التهريب عبر الحدود اللبنانية، فهو تهمة يواجهها أبناء المنطقة، بحكم البعد الطائفي وعلاقات المصاهرة والقرابة مع قرى البقاع وباقي الشريط الحدودي اللبناني. تهم ردّدتها «الثورة» عن ولاء أبناء هذه القرى لإيران وحزب الله، قبل أي ولاء وطني آخر، ليؤدي ذلك في ليلة واحدة إلى «تحرير» الرقة من أهلها. هكذا وجد «الرقيّون» أنفسهم خارج بيوتهم وقريتهم، مهجرين خوفاً من بطش «الجيران»، ومطعونين في مواطنيتهم.

اتهامات: الزراعة vs الحرب والتهريب
مع تكوّن حي الوعر الجديد من 8 جزر سكنية، فإن قرية الرقة تقع بين الجزيرتين الخامسة والسابعة اللتين تشكّلان طوقاً عمرانياً مستحدثاً زحف تدريجياً حول القرية حتى أصبحت جزءاً من مساحته الجغرافية. مجموعة منازل متواضعة يتخلّلها بعض المساحات الزراعية، فيما تحيط بها أبنية حديثة عالية، هكذا هو وضع القرية بالنسبة إلى محيطها. وعليه، فإن هذا الطوق فرض معادلته العسكرية سريعاً على أبناء القرية، مع التحريض والتحريض المضاد مطلع الحرب التي كان للحي نصيب منها. وفي عام 2017، عاد عدد من أهالي القرية إليها، بلا تفكير مسبق بشأن آلية استعادة «أبواب رزقهم»، أو حتى أبواب ونوافذ بيوتهم الخالية من فرشها. ومع تشجيع الدولة السورية عودة الحياة إلى الحي المنكوب، فقد شملت الرعاية الحكومية تشجيع أهالي الرقة على العودة أيضاً، وسط محاولات لإعادة الخدمات الأساسية. وباعتبار نسبة الدمار في القرية تصل إلى 90%، فإن البيوت التي نالت دماراً جزئياً سرعان ما عادت إلى الحياة. يحدد مختار القرية حسن العبد الله عدد سكان القرية بـ 1500 شخص، وعدد المنازل العائدة إلى الحياة يصل إلى 60 منزلاً «كان قد نزح أصحابها إلى أقاربهم في القرى الأُخرى، عبر امتداد جغرافي من الزرزورية، مروراً بالربوة ورام جبل، وصولاً إلى أم حارتين». وبالتأكيد، لم يعد من استحال منزله ركاماً. البساتين بدورها قد تأثرت بالحرب، إذ توقفت الزراعة بشكل تام، بعدما كانت القرية تعتمد على الزراعة البعلية كالحبوب، إضافة إلى زراعة الري كالخضر. وفيما يتهم زارعو الأرض بانصرافهم إلى القتال والتهريب، فإن نظرة واحدة كافية لرؤية بساتين القرية بوصفها خط مواجهة أول، إذ ما زالت تحفل بالسواتر الترابية ومخلفات الحرب.
«لا شبان لدينا»!

البساتين بدورها قد تأثرت بالحرب إذ توقفت الزراعة بشكل تام


«ربينا سوا»، عبارة يكرّرها مختار الرقة، ويضيف: «اليوم معلّمات من الوعر يعلّمن في مدرسة الرقة. وكذلك 60 ممرضة من القرية وما حولها يعملن في مستشفى الوليد في الوعر». وفي المقابل، فإن «بقالية واحدة تخدم حاجات الأهالي، الذين يتزودون بمعظم بضائعهم من الوعر». إعادة تأهيل المدرسة بدأت العام الماضي، عبر أنشطة مدرسية تتحمس المعلمات للقيام بها. وهؤلاء المعلمات يعملن في التدريس والإرشاد النفسي في آن واحد، أملاً في ترميم نفوس أطفال الحرب. رئيس «جمعية الهادي الخيرية» الناشطة في المنطقة وخط القرى الممتدة منها، أبو علي عباس عبد الله، يحدد عدد شهداء القرية بـ45، إضافة إلى 25 جريحاً، 10 منهم في حالة إعاقة كاملة. يعلّق على الأمر بابتسامة وعين تحمل دمعة: «لا شبان لدينا في الرقة. إنهم جرحى إعاقات أو يخدمون في الجيش السوري». مطالب الأهالي تتلخّص بفتح الطرق مع الوعر، من بينها الطريق المارّ من القصر العدلي، فيما الرد الرسمي على هذا المطلب أن هنالك أضراراً كبيرة في المباني على هذا الطريق، إذ إن بعضها آيل إلى السقوط. شبكة الكهرباء وعواميدها أيضاً تحتاج إلى صيانة دورية وأداء أفضل من مؤسسة الكهرباء، بحسب الأهالي، فيما يعلق رئيس «جمعية الهادي» على عودة العلاقات الاجتماعية مع أهالي حي الوعر بقوله: «لم يعد هنالك خوف. إنما نشعر بالأزمة عندما يدخل الفرد منا إلى منزله وينظر في عيني ولده الذي خلّفت له الحرب عكازين، أو حين ينظر إلى صورة ابنه الشهيد الذي خطفته الحرب إلى الأبد». تدمع عينا الرجل مجدداً، فيقول مكابراً: «لدينا اليوم أعمال مشتركة مع جيراننا في الوعر».
كان الوعر مسرح أعمال «جمعية الهادي الخيرية» في بداية نشاطها مع الأسر التي تهجّرت من حيّي الخالدية والبياضة، عبر تقديم السلل الغذائية في كنيسة الحي وجامعه. بقي الوضع على هذه الحال أشهراً طويلة، قبل دخول المنظمات الدولية على خط المساعدات. ولكنها تنشط اليوم على مساحة 56 قرية من لون طائفي واحد، على امتداد اتجاهات الريف الحمصي، وصولاً إلى معبر مطربا على الحدود اللبنانية، مستهدفة 6200 أسرة. ولدى الجمعية مركزان طبيان في الربوة والزرزورية، إضافة إلى مشاريع بمشاركة منظمة «UNDP»، من بينها مشروع تربية الأبقار والنحل في قرية الربوة، ومشروع دعم 1400 حامل ومرضعة، عبر قسيمة من المنظمة ذاتها، فيما تقدم السلل الغذائية بشكل دوري لـ 2700 عائلة، معظمهم من متضرري الحرب وذوي الشهداء والجرحى.