ينتظر أن ينقل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، اليوم، ما أعلنه عبر «تويتر»، إلى صيغة «قانونية» تُصنّف الجزء المحتل من الجولان أرضاً خاضعة للسيادة الإسرائيلية في العرف الأميركي. ويستبق توجّه «البيت الأبيض» هذا مشروع القرار الذي يعمل عليه عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، والذي يتطابق في الهدف مع فحوى «تغريدة» ترامب. ولا ينفصل توقيت التصعيد في ملف الجولان عن سياق المشهد الميداني والسياسي في سوريا ومحيطها، وهو يتكامل مع جملة إجراءات تقودها واشنطن لحصار دمشق وحلفائها، بما يتيح «فرض شروط» في مسار «التسوية السياسية» المرتقبة.

ففي الشرق السوري، حيث تقود الولايات المتحدة عمليات «التحالف الدولي»، جاء إعلان «النصر على خلافة داعش» ليفتتح مرحلة جديدة لوجود القوات الأميركية وشركائها هناك، إذ تحضر تلك القوات (من الآن فصاعداً) دون أجندة عسكرية واضحة ضد «داعش»، وبمبررات تتراوح بين «منع عودة التنظيم»، و«ضمان إنجاز حل سياسي في سوريا»، مروراً بـ«حماية الشركاء... وكبح النفوذ الإيراني». وكان لافتاً أن «إعلان النصر»، الذي عزفت خلاله الفرقة الموسيقية التابعة لـ«قوات سوريا الديموقراطية» النشيد الوطني الأميركي في ريف دير الزور، تضمّن الإشارة إلى «الخطر» الذي يشكّله «داعش» رغم «نهايته العسكرية». وهو تنويه يراعي التوجّه الأميركي نحو تشكيل «قوة حفظ سلام» مشتركة مع أعضاء «التحالف» ولاسيما الدول الأوروبية، رغم أن هذا المشروع لم يحصد توافقات حتى الآن، أقلّه في العلن.

عزفت فرقة من «قسد» النشيد الوطني الأميركي في ريف دير الزور


وكما أعلن مسؤولو واشنطن غير مرة، فإن الوجود العسكري في شرقي الفرات والتنف يفترض أن يخدم المصالح الأميركية والأجندة السياسية ضمن سوريا والإقليم. ويبدو «الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان» واحداً من ملفات عدة، عملت وتعمل إدارة «البيت الأبيض» على تمريرها بالاستفادة من ذلك الوجود، وغيره من الأوراق. إذا يأتي قرار ترامب قبل أسبوع فقط على القمة العربية المرتقبة في تونس نهاية الشهر الجاري، وهي قمة نجحت الضغوط الأميركية في تغييب ملف «عودة سوريا إلى الجامعة العربية» عنها، وفق ما أكده عدد من المسؤولين العرب. وإلى جانب التضييق في ملف الجامعة، تتابع واشنطن جهودها في الإقليم لمنع أي خطوات ديبلوماسية أو اقتصادية تجاه دمشق، بعدما نجحت في حشد الأوروبيين خلفها، كما تجلّى في مؤتمر بروكسل الأخير، حيث التزم الاتحاد الأوروبي المقاربة الأميركية التي تربط التعاون مع دمشق وإعادة الإعمار بالتقدم على مسار «الحل السياسي».
ولا تبشّر طبيعة الدعوة التي وجهتها «قوات سوريا الديموقراطية» إلى دمشق، للحوار «على أساس الاعتراف بالإدارات الذاتية المنتخبة في شمال شرق سوريا، والقبول بخصوصية قوات سوريا الديمقراطية»، باحتمال حدوث تطورات إيجابية على هذا الصعيد خلال المرحلة المقبلة، لاسيما وأن واشنطن عرقلت مباشرة هذه الجهود خلال العام الماضي. إذ أكدت الحكومة السورية أنها تتعامل مع مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» كأي منطقة سورية أخرى، ويجب أن تعود إلى سلطة الدولة إما بالمحادثات أو القوة. ولفت أكثر من مسؤول حكومي إلى أن قانون الإدارة المحلية النافذ هو ما يمكن تطبيقه لإدارة تلك المناطق، ولا يمكن فرض أي شكل آخر دون تعديل الدستور عبر استفتاء شعبي.
ومع انتهاء العمليات العسكرية ضد «داعش» (وفق المعلن)، بات النقاش الأميركي ــ التركي حول مصير شرقي الفرات و«المنطقة الآمنة» على نار ساخنة، إذ إن أنقرة لن توفّر جهداً للضغط ـــ بما في ذلك التصعيد العسكري ـــ لتنشيط تنفيذ «خريطة منبج» ومن خلفها خطط شرق الفرات. وسيكون الجهد الروسي مساعداً لتركيا في مفاوضاتها تلك، لاسيما وأن موسكو أعطت أنقرة مزيداً من الوقت (وإن كان محدوداً) في ملف إدلب، وتراهن على تيسير إنشاء «اللجنة الدستورية». ومن غير الواضح حتى الآن ما سيكون عليه الموقف الأميركي تجاه عمل تلك اللجنة؛ إذ لا تزال «قسد» ومن خلفها «مجلس سوريا الديموقراطية» خارج إطارها، فيما يُعدّ دخول «قسد» إليها خطاً أحمر بالنسبة إلى الجانب التركي.