القصة تسير على النحو الآتي: في ليلة سقوط عاصمة ما، ولتكن بغداد مثلاً، ولد ألف من الأطفال، من مختلف أحياء المدينة، وتزامن الاحتفال بولادتهم لدى أهاليهم مع الاحتفال العام بسقوط الطاغية. وجرياً على عادة البلاد المحتلة، فقد طلب الأهل الجذلون من الجنود المحتلين المشاركة في إطلاق الأسماء على المواليد الجدد. بالطبع شارك الجنود في ذلك واختاروا أسماء مختلفة للمواليد الألف، وتعالت ضحكاتهم الثملة وهم يقترحون الأسماء، والأهل يبتسمون بفخر موثّق على شهادات ميلاد.

والآن من المفترض أن يكون هؤلاء الأطفال قد أتموا عامهم الخامس عشر، وهم يحملون أسماء ساهم محتلوهم الثملون في ترتيب منطوقها، وربما هم لا يعلمون معناها الحقيقي، وربما لا معنى أصلاً لهذه الأسماء، مجرد هرطقات صوتية لا تقول شيئاً، لكن بعضهم يحمل أسماء غريبة وترجمتها الحرفية: أحمق لأني أصدّق، أو الهراء الملتوي ذو الذراع الواحدة، ضحكة البلاء النتن أو روث الأبقار التي تغني، وهكذا وهكذا.
وعندما تسأل أحدهم عن معنى اسمه، يجيب بأنه اسم بطل من فرسان العصور الغابرة، أو اسم شيخ مقدّس ذي كرامات، ويقدم لك الحجج والبراهين التاريخية على ذلك، صفحات من الويكيبيديا، وربما يموت دفاعاً عما يظنه معنى لاسمه. على هذا المنوال، جرت مفاهيم كثيرة دفعنا لها ثمناً باهظاً، على جري هذا الحصان أو ذاك، سمّينا مزارعنا دولاً محورية، وانتقالنا من خدمة سيد لآخر استقلالاً. احتفلنا بخلاصنا من المستعمر الأجنبي الذي خرج من الباب، وسلّمنا بلادنا لمستثمر محلي/ شريك دخل من النافذة، سمّينا الدمار ثورة والطغيان حماية، سمّينا العته مملكة والمعتوه خادم الديار المقدسة، التفجع موسيقى محلية، والهراء أدباً ملتزماً.

كيف تم هذا التزوير وبأصابع من؟
علناً، وبلا غمغمات غامضة وبَرْطمات ملتوية، استكمل حكّام الخليج بقيادة المملكة السعودية القبضَ على زمّارة رقبة الحلم العربي، استكملتْ مملكة الرمال احتلال الهواء والماء بفيض يأسٍ مدجّج برؤوسٍ مقطوعة وأجسادٍ مصلوبة ونارٍ آكلة، استكملتْ أرض السواد القاتل امتصاص نسغ آلاف من الأرواح العربية وأعادت إنتاجها، مسرطنة، باحتقار الحياة وبغض المختلف، طائفة كان أو ثقافة أو سياسة، تمّ الأمر الإلهي، ونفّذ القابضون على وكالته الحصرية والمتحدثون الوحيدون باسم الرحمن الرحيم، منذ أول بدوي جهد ساعات ليقلب صخرة في صحراء قصية: أعدني إلى مكاني حتى يأتي أحمق آخر يحركني، فنبت النفط من الحماقة الأولى وبدأت عذابات البشرية.
في العقدين الأخيرين، خلعت مملكة النهب المنظّم والفساد المغطى بفتاوى الجهاد القفازات الحريرية، وبدأت اللكم بالقبضات العارية. ومَن الخصم؟ تلال اليمن الفقيرة، أطفال سوريا اللاهون عن ألعاب العالم الثري، بيوت العراق الجرداء وشوارعه المغبرة. الخصم يكاد لا يكون خصماً للمفخخات المرحة، الخصم يكاد يكون لا أحد، شعوب منسية في أرض منسية، قاد حكّام الكراهية حرباً طاحنة ضدّ لا أحد، لكن القتيل كان الحياة.
لم يعد من المجدي تغليف المقولات بالورق المذهّب، لم يعد من المجدي التفوّه بعبارات لا تعني ما تعنيه ثم الذهاب إلى عكسها سرّاً. ما الداعي إلى ذلك، وقد استتبّ الأمر سراً وعلانية للمال القذر، لتحالف المال القذر مع السياسة القذرة، مع اللصوص المقنّعين. أنحتاج بعد الآن إلى خطباء؟ كفى بالمال خطيباً، ويا له من خطيب مفوّه أمام لجلجة العربية وانتحارها في خطابات أمراء البورصات والمراقص الليلية والفساد الوطني.
يا للموت قادماً بسموات طائرات الأشقاء المبتسمين.
إذا استنطقنا تاريخاً غائراً من حكم هذا الآل السعيد، عبر عقود، فلن نرى حقاً جاوروه ولا قضية عادلة ناصروها، لا حكاية بمغزى حكيم عمّموا مقاصدها ولا فنّاً سامي الأهداف يمّموا شطره، من أفغانستان إلى نيجيريا، ومن العراق إلى سوريا. مالٌ سخي ينفق لتأجيج القتل، مالٌ مغطى بالإفتاء المدفوع مسبقاً كبطاقات الهاتف، هذه هي رسالتهم إلى العالم: ابنِ حضارات، سندمّرها بالحمقى.
أيها الحاكم الخليجي، يا ابن القفر والصحارى الجارحة، يا سليل موت الألوان وانتحار التنوع، وأنت تقصف أجساداً نحلت من سوء التغذية وتفجّر مدارس وبيوتاً مرهقة من الإهمال، تذكّر من كنت في غابر الأزمان وكيف صرت، تذكّر ماضيك في خيم رقيقة، تذكّر نبيّك الذي به تفخر، غطاؤه الرحمة ورسالته السماح.
يا خليجي الألم والدم والحسرة، وأنت تصعد في قاذفات العصف المميت، وأنت ترسل الحمم اللاهبة لتصعق أبداناً متعبة وأعماراً ناقصة، وأنت تتفق مع انتحارييك لتخسف التنوع في سوريا، فكّر بأن نبيّك سليل هذي الأرض أيضاً، فبعضك يقتل بعضك، يا خليجي الموت والدمع، يا خليجي التشابه والنمط.
أعلم أنك بنبع ثروتك الذي لا يجف وبفيض حماقات الرداءة المتنامية، تصنع أمراء وقادة، صحافيين وشعراء، جرائد ومحطات تلفزيونية، تصنع بهوسك بالأبدية ثلجاً في آب، وواحة في عمق الجحيم الأصفر. أعلم أنك تقبض على عنق هوائي هنا، وتستطيع متى أرادت حماقتك الملكية أن تقطّع وتفظّع ببلدي المرهق، لكن ثروتك الطارئة يا ابن الخطأ الطارئ، لا تعطيك حق تقرير مصير آلاف البشر الذين يختلفون عنك بحب الحياة، يا كاره الحياة. لا يمنحك المال الصفيق، ولا الحرم المقدس حق بيعي. أنا اليمني الجائع، السوري التائه، المصري المطعون، اللبناني الحائر، العراقي المغدور لفقه اليأس وفقهاء العدم.
تذكّر يا خليجي الرشى والمال الأسود وفئران الأنابيب، يا خليجي الصفقات المشبوهة وأدوات التعذيب، تذكّر وأنت تعدّ قتَلَتَك وتزوّدهم بالأحزمة المقدسة والوصايا الناسفة وترسلهم إلى بلادي، تذكّر وأنت تجفف أحلام الفتيان وتملأ أدمغتهم الغضة بأفكار الماضي البائسة، تذكّر سواعد العمال السوريين واللبنانيين والمصريين واليمنيين التي بنتْ مجدك الهزلي، يا ابن الهزل المقدّس. تذكّر أن من علّمك القراءة في كتبك المقدّسة هم المعلمون أنفسهم الذين تدمّر الآن منازلهم وأعمارهم ومستقبل أطفالهم. علّموك القراءة، فعلمتهم الموت يا ابن الموت المحمول في مناقير الأبابيل.
تذكّر يا خليجي السيارات الفارهة وزنازين المدوّنين وشرطة المتأخرين عن الصلاة، يا خليجي المنع والتحريم، الجلد والتعزير، تذكر أرواح آلاف العراقيين والإيرانيين في حرب دوافعك المريضة. تذكر من حرّرك ومن علّمك ومن صنع تاجك الذي تتباهى بوضعه الآن أمام أبناء الفقر والجوع. تذكّر أن الشعوب لا تنسى، ويوماً ما ستلفظ هذه الأرض جثث ضحاياها وتخرج إلى الحرية الحية دائماً، ويسترجعون منك الحق الذي ضيعته منذ فجر الرسالات.
أصيح بالخليج: يا خليج
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى
فيرجع الصدى
كأنه النشيج
يا خليج، يا واهب المحار والردى.