لم يكن 2014 عاماً عادياً على الإطلاق على المستوى الرياضي، ولا يمكن طبعاً أن يكون غير ذلك، وقد شهد الحدث الأهم في التاريخ، وهو كأس العالم لكرة القدم، التي احتضنتها البرازيل في الصيف. عام يمكن وصفه بعام الانقلابات وتغيير المعادلات الرياضية والمفاجآت، لا بل العجائب، التي يصح تصنيف بعضها بالتاريخية.


مونديال البرازيل دخل التاريخ من أوسع أبوابه، حيث عاش معه العالم شهراً كاملاً من المتعة والحماسة، التي وصلت إلى أعلى درجاتها في الأدوار الإقصائية. في هذا العرس العالمي كانت المفاجآت باهرة والانقلابات ساطعة تحديداً من منتخبات لم يحسب لها الكبار حساباً، وإذا بها تذهل العالم بأداء ونتائج لم تخطر على بال أحد، وهذا ما ينطبق على كوستاريكا، التي كانت سبباً رئيسياً بإطاحة المنتخبين الكبيرين إيطاليا وإنكلترا من دور المجموعات، وكولومبيا والمكسيك وتشيلي وممثل العرب الجزائر الذي قدم أداء مشرّفاً وكاد أن يُخرج ألمانيا - التي توّجت باللقب - من دور الـ 16.
وبالحديث عن المنتخب الألماني، فإنه غيّر خارطة كرة القدم وبدّل معادلاتها وقوانينها وأعرافها تماماً بدخوله التاريخ كأول منتخب أوروبي يحرز الذهب المونديالي في قلب قارة أميركا الجنوبية، وتحديداً في ملعب «ماراكانا» الشهير في ريو دي جانيرو، وما يمثّله هذا الأخير من رمزية للبرازيل والقارة الأميركية ككل، وأكثر من ذلك فقد وصل «المانشافت» إلى منصة التتويج على حساب زعيمي أميركا الجنوبية البرازيل في نصف النهائي، وجارتها اللدودة الأرجنتين في النهائي.


المباراة أمام البرازيل في ملعب «مينيراو» في بيلو هوريزونتي بحدّ ذاتها هي العنوان الرئيس لهذا المونديال، والعنوان الذي دخل يوم 8 تموز سجلات لعبة كرة القدم وصُنّف كأحد الأيام الفارقة في تاريخ «الساحرة المستديرة»، عندما ذرفت بلاد «سحرة الكرة» دموعاً كثيرة حين اكتسح الألمان منتخبها 7-1، وسط ذهول ضرب العالم من أقصاه إلى أقصاه، وهي نتيجة كادت أن تكون أفدح من ذلك. أما في النهائي، فقد حرم الألمان النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي السير على خطى مواطنه الأسطورة دييغو مارادونا بتطويق عنقه بالذهب الأغلى في العالم، حيث وقف «ليو» مصدوماً وهو يشاهد احتفالات مسجِّل هدف الفوز الوحيد في الدقيقة 113 ماريو غوتزه ورفاقه بالكأس الغالية في المشهد الختامي لأحد أفضل المونديالات الذي شهد معدلات مشاهدة قياسية، والذي لم يخلُ أيضاً من لقطات سيذكرها التاريخ، كلقطة «عضّ» النجم الأوروغوياني لويس سواريز لكتف الإيطالي جيورجيو كييلليني في مباراة المنتخبين في دور المجموعات، وبكاء النجم البرازيلي نيمار لحظة إصابته البالغة في مباراة ربع النهائي أمام كولومبيا، التي وضعت حداً لمشواره في البطولة وكادت، على بعد سنتيمترات، أن تنهي مسيرته كلها.
وفي كرة القدم أيضاً، فقد كان 2014 عام ريال مدريد الإسباني على مستوى الأندية عندما كتب التاريخ كأول فريق يصل إلى 10 ألقاب، أو «لا ديسيما» كما يحلو للمدريديين تسميتها، في مسابقة دوري أبطال أوروبا بعد فوزه في النهائي على جاره اللدود أتلتيكو 4-1، حيث عاد إلى منصات التتويج بعد غياب دام 12 عاماً وقف خلالها متفرجاً، ليأتي المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي ويبدّل شكل الفريق، الذي اختتم العام بأفضل طريقة ممكنة أيضاً، بلقبه الأول في بطولة كأس العالم للأندية (بشكلها الجديد) بالفوز على سان لورنزو الأرجنتيني 2-0 في المباراة النهائية.


انقلاب في السلة والتنس

من كرة القدم إلى كرة السلة، التي شهدت انقلاباً من سان أنطونيو سبرز على ميامي هيت، عندما حرمه لقبه الثالث على التوالي في الدوري الأميركي الشمالي للمحترفين «أن بي آي» وثأر منه لخسارته أمامه في نهائي نسخة 2013 بفوزه الكبير عليه 4-1 في نهائي 2014 في موسم تألق فيه نجمه الفرنسي المخضرم طوني باركر ليقوده إلى منصة التتويج للمرة الخامسة في تاريخه والأولى منذ عام 2007.
أما في بطولة العالم لكرة السلة، فقد ذهب اللقب، بطبيعة الحال، للمنتخب الأميركي «دريم تيم» برغم افتقاده العديد من الوجوه البارزة، وذلك بفوزه في المباراة النهائية على نظيره الصربي في البطولة التي احتضنتها إسبانيا.
وكان للانقلابات في عالم الرياضة عام 2014، مرور على ملاعب كرة المضرب، إذ على صعيد البطولات الأربع الكبرى «غراند شيليم» في فئة الرجال، قلب السويسري ستانيسلاس فافرينكا والكرواتي مارين سيليتش التوقعات بدخولهما نادي الفائزين للمرة الأولى في مسيرتيهما بإحرازهما اللقب في بطولة أوستراليا المفتوحة و«فلاشينغ ميدوز» على التوالي، فيما ذهب كالعادة وللمرة الخامسة على التوالي والتاسعة في مسيرته لقب بطولة «رولان غاروس» الفرنسية لـ «ملك» الملاعب الترابية الاسباني رافايل نادال، الذي عانى الإصابات في هذا العام، بينما كان نصيب المصنف الأول في العالم، الصربي نوفاك ديوكوفيتش، لقب كبير واحد وهو ويمبلدون.

فيديرر تاريخي

لكن على المستوى العام، يمكن تسمية 2014 عام النجم السويسري المخضرم روجيه فيديرر، إذ فيما كانت التوقعات ترجّح اعتزاله ببلوغه عامه الـ 33 حقق الفوز بـ 5 بطولات، بينها اثنتان في الماسترز، وكان صاحب أكثر عدد من الانتصارات في المباريات طيلة العام (73 مباراة)، والأهم أنه قاد سويسرا إلى لقب كأس «ديفيس» للمرة الأولى بالفوز على فرنسا، حيث وقف يذرف دموع الفرح على إنجازه، باعتباره أصبح رابع لاعب في التاريخ يفوز بجميع الألقاب الكبيرة، مضافاً إليها كأس ديفيس بعد الأوسترالي رود لايفر والأميركي أندريه أغاسي ونادال.
وفي فئة السيدات، قادت التشيكية بترا كفيتوفا والصينية نا لي الانقلاب بتتويجهما في بطولتي ويمبلدون وأوستراليا المفتوحة على التوالي، فيما عاد لقب «فلاشينغ ميدوز» كالعادة للأميركية سيرينا ويليامس و«رولان غاروس» للروسية ماريا شارابوفا.

سرقت كرة القدم عبر المونديال الاهتمام من كل الرياضات الاخرى هذه السنة


وبالانتقال إلى رياضة المحركات، فقد كانت في 2014 بدورها مسرحاً للانقلابات والانتقالات على صعيد الفورمولا 1 عندما سيطر فريق «مرسيدس جي بي» بالكامل على بطولة العالم محققاً أرقاماً قياسية، فيما تمكن سائقه البريطاني لويس هاميلتون من وضع حدٍّ لهيمنة الألماني سيباستيان فيتيل على البطولة بأربعة ألقاب متتالية متوفقاً على زميله، الالماني الآخر نيكو روزبرغ، في موسم ظل فيه التشويق حاضراً حتى السباق الأخير، وكاد ان يفارق فيه الفرنسي جول بيانكي، سائق ماروسيا، الحياة بحادث خطير على حلبة سوزوكا اليابانية.
وكان 2014 استثنائياً، اذ شهد انتقال نجمين كبيرين من فريقيهما وهما فيتيل من «ريد بُل رينو» إلى فيراري، والاسباني فرناندو ألونسو من الأخير إلى ماكلارين.
اذاً 2014 كان عام الانقلابات وعاماً حافلاً بامتياز على المستوى الرياضي. كان، بحق، عام الذكريات التي ستُخلَّد في القلوب والأذهان، إذ من أحداثه، وبالتحديد مونديال البرازيل، اغترف التاريخ غرفةً وسكبها في سجلاته أحرفاً مرصعة بالذهب.