لطالما كان «بابا نويل» شخصية سرية. منذ طفولتنا نرفض تصديق أن أهلنا هم الذين يضعون الهدايا تحت الشجرة. وفي المدرسة، ثم الجامعة، وحتى في العمل، نستسلم لإغراء «الملاك الحارس» (ange gardien) يلاحقنا على مدى أيام بهداياه الجميلة أو المشاكسة، قبل أن يعلن هويته. قليلون هم الذين يجهدون أنفسهم لمعرفة من يكون الشخص الذي يحمل إليهم الهدايا. فالسرية التي تتّسم بها لعبة الـ secret santa هي التي تجعل لها طعماً خاصاً.


تغري اللعبة الكثيرين. لا أحد يرفض أن يحصل على هدايا من شخصية يجهلها، كما لا يستطيع أيّ كان أن يقاوم طقوس الاحتفالات التي باتت ترافق هذا العيد، وخصوصاً في ظلّ مهارة رجال الأعمال في الاستفادة من المناسبات لتعزيز الروح الاستهلاكية لدى الناس. ينجحون في ذلك، حتى لو تطلّب الأمر تغيير روح المناسبة وفكرتها. باستسلام كامل، ننصاع لروايات هوليوود وأفلامها عن الميلاد والمسيح، ونستبدلها بأسطورة «بابا نويل»، فتتفوق قصص صاحب الرداء الأحمر الآتي على عربة جليدية على نصوص الانجيل المقدّس، وتصبح الأيام التي تسبق احتفالات الميلاد أكثر الفترات التي تشهد حجم مبيعات في العالم.
قليلون مثلاً هم الذين يعرفون أن رمز عيد الميلاد هو مغارة بيت لحم، التي ولد فيها المسيح، لا شجرة الميلاد، ولا «سانتا كلوز»، والهدايا التي يحملها في عربته. وقليلون أيضاً هم الذين يسألون عن التاريخ الفعلي لميلاد السيد المسيح، إذ ما من إشارات واضحة في الإنجيل إلى تاريخ الميلاد، وعما إذا كان قد حصل في فصل الشتاء أو لا. لذلك يرجّح المؤرّخون أن يكون اختيار تاريخ 25 كانون الأول لإحياء هذه المناسبة مرتبطاً بالعادات الدينية الوثنية. وقد تكون حلّت بديلاً عن احتفالات انقلاب الشمس الشتائي عند الرومان. فقد كانت هذه الاحتفالات، التي تحتفي بإله الزرع، تستمرّ سبعة أيام، ويتوقف خلالها الرومان عن العمل ويتبادلون الهدايا.
ويذكر المؤرخون أنه، عندما قررت الكنيسة اعتماد تاريخ 25 كانون الأول تاريخاً للاحتفاء بولادة المسيح، كانت ترغب في التوفيق بين الديانة الجديدة، والعادات الوثنية التي بقيت حية عند الشعوب حتى بعد اعتناقها المسيحية. وقد جرى أول احتفال بعيد الميلاد في القرن الرابع الميلادي، وتحديداً عام 336 في روما. وتحوّلت أيام الاحتفال هذه إلى أيام صلاة وتقشّف، وكان يتميّز في فترة القرون الوسطى باستعمال الشموع والأضواء بكثافة.
لكن العادات تغيّرت على مرّ القرون، حتى انتهت إلى ما نعيشه اليوم. وقد أدت الثورة الصناعية دوراً كبيراً في هذا التحوّل، الذي يطغى عليه الطابع الاستهلاكي، وخصوصاً مع نشوء الطبقة الوسطى في المجتمعات الغربية، وحرصها على إعطاء الاحتفال بالميلاد طابعاً اجتماعياً عائلياً، تكون للأطفال فيه الحصة الأكبر، لكن عوضا عن أن يكون هذا العيد لمصلحة الأطفال، تجدهم يتحوّلون إلى الضحية الأولى للمجتمع الاستهلاكي. فأطفال اليوم، مستهلكو الغد.
يبقى أن كلّ ما كتب أعلاه، لن يمنع أيّ قارئ من طيّ الجريدة، أو الانتهاء من القراءة، والتوجه لشراء ما لم يتمّه من هدايا.