كثيرة هي الحالات التي أقيل فيها مدربون لم يكن لهم في «القصر إلا من مبارح العصر». وهنا الحديث عن موضة عرفتها ملاعبنا العربية منذ زمن طويل، برغم ان البعض يعتقد ان هذه المسألة حديثة العهد.

في عام 2000، ومع انطلاق دور المجموعات لكأس آسيا التي استضافها لبنان، تواجهت السعودية في مباراتها الاولى مع اليابان، وسقطت بنتيجة 1-4. هذه النتيجة كانت كافية لذهاب الاتحاد السعودي لكرة القدم نحو وضع رأس المدرب التشيكي ميلان ماتشالا تحت المقصلة، فأقيل هذا الرجل، الذي كسب شهرة واسعة في الكرة الخليجية وتحديداً الكويتية. عامذاك اكمل المدرب المحلي ناصر الجوهر المهمة، لكن من دون ان تصل الى خاتمتها السعيدة، فخسر النهائي امام اليابانيين انفسهم على ملعب المدينة الرياضية.

اسمٌ آخر نعرفه جيداً هو الالماني ثيو بوكير مدرب النجمة الحالي، الذي حمل رقماً قياسياً في مصر على هذا الصعيد، في فترةٍ من الفترات، اذ عرف المصير عينه، بعدما أقيل من منصبه مدرباً للزمالك بعد المباراة الأولى له أمام الاتحاد السكندري في الدوري المصري، وذلك عقب 90 يوماً على توليه منصبه عام 2005. وبعد بوكير جاء حسام حسن ليحطّم رقم «الثعلب الالماني» اثر اقالته بعد شهرين ويومين على توليه منصبه. واسم حسن لم يشفع له تماماً كما الفرنسي هنري ميشال الذي عاش تجربة الاقالة السريعة ايضاً مع الزمالك عام 2009.
وتطول اللائحة اكثر واكثر إذا عرّجنا على الخليج العربي، حيث الكلمة الاولى والاخيرة لبعض الشيوخ - المدربين في اندية عدة، اذ مهما كان اسم المدرب وحجمه، ومهما كان تاريخه الكروي، فان هذا الامر لن ينصفه اذا ما دفع بتشكيلة لا ترضي طموحات صاحب العباءة البيضاء، لان كتاب الاقالة سيكون بانتظاره على باب الملعب فور خروجه منه.
هي موضة بالية باتت سمة الملاعب العربية، وتهكمت عليها وسائل الاعلام العالمية في كل مرة اقيل فيها اسمٌ معروف بهذه الطريقة المخزية. وهذه الموضة تمثل مشكلة بشقين: الاول هو في تدخل الاداريين غير الكفوئين في عملٍ لا يفقهون اي شيء فيه. اما الثاني، فهو في وضع اللوم دائماً على المدرب حتى لو لم يحصل على فرصته او المدة الكافية لإعداد الفريق بالشكل المطلوب.
وفي جولةٍ على الملاعب اللبنانية اخيراً عبر الاقتراب من زاوياها ومكاتبها، يتضح ان هذه الموضة قد تصبح عنوان الموسم الحالي بقوة، اذ ينشط رؤساء الاندية واعضاء مجالس ادارتها في منح انفسهم شهادات تدريب وهمية، فيختارون هذا اللاعب او ذاك، ثم يستبعدون آخر لأسبابٍ لا تمت الى الحسابات الفنية بصلة.
اما الاسوأ فهو ذهابهم الى استشارة اشخاص محيطين بهم بخصوص خيارات فنية لمدربين اجانب اصحاب سمعة، في وقتٍ لا يبدو فيه ان هؤلاء «المستشارين» تتخطى ثقافتهم الكروية أطر التنظير غير المجدي الذي لا يقدّم او يؤخر.
طوال الاسبوع، ورد الى مسامعي كلامٌ كثير عن اشخاص تواصلوا مع رئيس نادي الراسينغ جورج فرح ونصحوه باقالة المدرب التشيكي ليبور بالا عقب الخسارة القاسية امام طرابلس الرياضي بسداسية نظيفة، لكن هؤلاء فوجئوا بردّ فرح، واصفين اياه كأنه يدافع عن ابنه الذي لم يخطئ يوماً.
قد يكون فرح مدركاً ان بالا يلتقي مع الحسابات المالية والفنية التي وضعها النادي في مقعد المدرب، وهي حسابات صحيحة، لكن هنا في الدوري اللبناني، كارثة تلوح في الافق، اذ يظهر المدرب كأنه المخطئ الوحيد عند الخسارة، في وقتٍ تنشط فيه التدخلات في عمله قبلها، ثم يجري غسل اليدين منه بعدها.
«المدرب دائماً على حق»، مقولة لقنها الاداريون للاعبيهم لاطاعة مدربيهم، لكن هم أنفسهم لا يعترفون سوى بعبارة واحدة: «المدرب دائماً على خطأ».