تعتبر «تعهدات الصمت» ممارسة قمعية تتجاوز أبعادها قصور النص الجزائي وتخلّف اجتهاد محكمة المطبوعات عن صون مختلف أشكال التعبير النقدي، فهي ترتبط بذهنية التسلّط وكم الأفواه على حساب مفهوم الكرامة الإنسانية والحريات العامة، لا سيّما حرية القول والكتابة التي كفلها الدستور اللبناني في المادة 13.

أن تكون ناشطاَ إلكترونياً في لبنان، تتابع وتناقش القضايا العامة وتشارك المعلومات المتداولة على الشبكة العنكبوتية، فهذا يعني أنّك تحت خطر أن تجد نفسك مطلوباً أو مستدرجاً إلى جلسة استجواب في «مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية». هناك، تخضع للتحقيق حول أفكارك وآرائك.

ويأتي ذلك بناءً على شكوى أو طلب محالَيْن من السلطة القضائية وتحديداً من النيابة العامة. عماد بزي، وربيع فران، ومهند الحاج علي، ورشا الأمين، وجينو رعيدي، وريتا كامل، وكريم حوّا، وغيرهم من الصحافيين، والمدونين، والناشطين الإلكترونيين خضعوا للتحقيق أو الاحتجاز غير المبرر. احتجاز بلغ حدود الـ120 ساعة توقيف قي قضية الطالب الجامعي في كلية الإعلام كريم حوّا الذي نشر رابطاً إلكترونياً على صفحته على «فايسبوك» لم يرق لوزير الداخلية نهاد المشنوق (الأخبار 15/11/2014).
ولم تقف ممارسات السلطة عند حد الاستجواب. فعند انتهاء كل تحقيق يلزم الناشط أو المدوّن بتوقيع «تعهد بالصمت» والامتناع عن الكلام والتعبير ومناقشة الموضوع الذي استدعي على أساسه للتحقيق، وما يتفرع عنه والتعليق عليه.
هذا ما حصل مع المدونة ريتا كامل التي خرقت تعهدّها. وجدت الأخيرة نفسها تُستدعى مرّة جديدة إلى «مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية» يوم الاثنين الفائت بناءً على شكوى الشركة نفسها التي ادعت عليها سابقاً بجرم التشهير. علماً بأنّ كامل انتقدت في تدوينة سابقة توفّر معايير مرتبطة بحماية المستهلك في خدمات و«شهادات ريادة» تقدمها تلك الشركة.
استدعاء كامل مجدداً للتحقيق معها يطرح أسئلة حول استخدام السلطة لـ«تعهدات الصمت» للتهويل على الناشطين، ولا سيّما أنّ قضيتها لا تزال أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، ومن المنتظر أن يُصدر حكمه بعد جلسة المرافعة التي أُرجئت إلى 23 نيسان (أبريل) المقبل.
«تعهدات الصمت» هذه، دفعت بمؤسسة «مهارات» إلى توجيه كتاب إلى وزير العدل أشرف ريفي بتاريخ الأوّل من كانون الأوّل (ديسمبر) الجاري، سُجّل في ديوان وزارة العدل برقم 5616/3. اعتبرت المؤسسة فيه أنّ حرية الرأي والتعبير هي حق أساسي للأفراد، لا يمكن سلبه أو إسقاطه عن أي فرد في المجتمع تحت أي ذريعة قانونية أو غير قانونية. وأنّ هذه الممارسات التي تتم بإشراف قضائي هي سالبة ومقوّضة لحرية الرأي والتعبير، كما أنّها باطلة ولا مفعول قانوني لها وتخالف مبادئ الدستور اللبناني، والمواثيق، والعهود التي تعهد لبنان احترامها والعمل على تطبيقها.
وطلبت «مهارات» من وزير العدل بما لديه من سلطات بحكم القانون أن يطلب من المراجع القضائية المختصة بعدم إلزام الصحافيين والناشطين والأفراد الذين يُلاحقَون في قضايا النشر والتعبير وتداول المعلومات على شبكة الإنترنت، بتوقيع «تعهدات الصمت» هذه لبطلانها المطلق وعدم جوازها. مطالبة «مهارات» بتصحيح الممارسات الراهنة يأتي في سياق عملها على توفير إطار قانوني وحقوقي يعزز ويضمن حرية الناشطين على الإنترنت. وهو مطلب أساسي تضمنه اقتراح قانون الإعلام الجديد الذي تقدمت به بالتعاون مع النائب غسان مخيبر. اقتراح يتضمن جملة إصلاحات أساسية أهمها: إلغاء عقوبة الحبس، ومنع التوقيف الاحتياطي واحتجاز الحرية في قضايا النشر، وإلغاء صلاحيات «مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية» ومخافر الشرطة في التحقيق في مثل هذه القضايا وحصرها بالمحكمة المختصة... وهذه التجاوزات تضع الحكومة ممثلة بوزارة العادل ولجنة الإعلام والاتصالات النيابيتين أمام مسؤولياتهم في إنجاز الإصلاحات المطلوبة.