عندما نقول لاجئين سوريين لا يخطر في بالي سوى غصون. جارتنا اللاجئة التي تُمتعني صباح كل سبت بقراءة فنجان القهوة. بنكهة الأشياء المحرّمة، ترسم خيوط البن وتقرأ لي إشراقات الغد ونمشي في دهاليز المجهول داخل الفنجان الصغير. غصون تتصدى لخيبات الماضي بالضحك. وغالباً تتقبل خذلان القهوة لها برحابة صدر، فالأخيرة تنبئ الجميع بما ينتظرهم إلا هي. عندما يتعلّق الأمر بمستقبل غصون، تصير القهوة واقعية، يستحيل مسارها البني أمامها خطوطاً مبهمة، على صورة وطنها المهشّم.


يطيح بموهبتها في ترويض الخطوط، تضيع عندما يُفتح أمامها حديث عن سوريا.
أتذكر «هزاع»، «البادي غارد» كما أحب أن أسمّيه. لن تجد في شكله ما يوحي بأنه يصلح لأن يكون «حارساً شخصيّاً»، ستظن أن يديه النحيلتين عاجزتين عن صدّ أوراق الياسمين المتطايرة من أحد الأحواض المجاورة، وقد تفكّر بأن كتفيه غير مؤهلين لاستقبال «الأحضان» حتى! لكن ثمة سرّ كامن وراء هاتين اليدين؟ كيف لهما أن يبعثا في نفسي شعور الأمان؟ يحفظ هزاع مواعيدي المتأخرة، ينتظرني مساء كل خميس متأبطاً «قداحة» صغيرة، يشهر ضوءها الخافت في وجهي ليستقبلني. وكما لو أنه «البادي غارد»، يسبقني ويمشي أمامي كي يضيء لي مدخل البناية الموحش، فلا أرى سوى خطواته المتأنية أمامي، وخياله الذي يسبقنا كلينا، وفي تلك اللحظة، يظهر كتفاه، في الظِل، كما لو أنهما لا يليقان إلا بـ... «بادي غارد»!
وطبعاً، أتذكر أبو عبده. ضحكة الأيام العصية، وتفاؤل لا أحد فينا نحن الذين نعرفه يفهم من أين يأتي به. ستبتسم حتماً عند محادثتك العم الخمسيني، لن تستغرق وقتاً طويلاً لكي تكتشف نقطة ضعفه، وكيفيّة استمالته: الكلمة الطيبة والإطراء. الرجل الودود يحبّ الحديث في تفاصيل حياتيّة، «شياكة» بنطلون، أو عطر، أو قميص. أشياء من هذا النوع تروقه كثيراً. يكره التصابي لكنه يحب الحياة ويحارب العجز. يردد جملته الشهيرة كما لو أنه منّبه وقد حفظها: «انتبه على حالك الله يبعد عنك ولاد الحرام».
أتذكر أصدقائي «الإرهابيين»، وأهل بلدي «الغيارى» عليه. أبتسم بسبب أصدقائي، وألعن أفعال الإرهابيين في بلاد أصدقائي، وأفعال الرعاع، في بلدي.