لا تذكروا لها أروى


نعم، ابنتي وُلدت في هذه الخيمة وماتت فيها. لم تسنح لكم الفرصة لتلتقوها. آه لو تعرفتم على أروى الجميلة لكنتم أحببتموها بالتأكيد. ليس لدي صورة لها. ابنتي أتت إلى هذا العالم ورحلت من دون أن أحتفظ لها بصورة واحدة. العالم لا يعرف بوجودها أصلاً، جميعنا، نحن السوريين، أصبحنا أرقاماً، رقم ينقص أو يزيد. «أليكسا» أحبتها أكثر منا فأخذتها في جنون يومها الثالث. كان عمرها آنذاك 4 أشهر، جسدها النحيل لم يستطع أن يتحمل هذا البرد.

حاولنا، حاولنا تدفئتها كثيراً. توسلت شادراً جيداً يقيها زخات المطر وغطاء صغيراً يمنع البرد من التسلل إلى جلدها، لم يكترث أحد. في اليوم الثالث ركضت بأروى إلى أقرب مستشفى. كان البرد قد تغلغل في شرايينها. فحصوها، قالوا لي إنها غير مريضة لكن بسبب البرد تعطلت رئتيها. بعد نصف ساعة ماتت أروى من البرد. بعد أسبوعٍ أحضروا لي شوادر وأغطية.انتظروا حتى العصر، عندها تأتي زوجتي. تخبركم عن حياتنا في الخيمة، لكن لا تذكروا لها أروى. زوجتي تذهب منذ الخامسة فجراً إلى العمل في أحد الأراضي الزراعية. لم أستطع أن أجد عملاً لذلك أبقى في المنزل أهتم في طفلينا وأهيئ الطعام. تأتي متعبة جداً، أحاول قدر الإمكان أن أساعدها. تعمل 10 ساعات مقابل 8000 ليرة يوميّاً لكي نستطيع أن نطعم طفلينا وندفع إيجار هذه الخيمة، نعم إيجار الخيمة. بنيت هذه الخيمة بنفسي، الجميع فعل ذلك. كلفتني منذ سنتين حوالى المليون ليرة. أدفع شهرياً لمالك الأرض 100 دولار لكنه يريد أن يخرجنا. أنذرنا بأنه لدينا أسبوع لنغادر. إلى أين أذهب؟
(علي من الرقة، مخيم الشواكير ــ صور)


الطفلة ستنجب طفلة أخرى


تضحك آلاء بخجل، تحاول الهروب بوجهها الصغير. تتحدث ابنة الـ 14 سنة عن الحب والزواج. قد تكون آلاء اليوم تتزوج، فهي دعتنا إلى عرسها الذي سيعقد بعد عيد الأضحى من دون أن تحدد تاريخاً معيّناً. تلك الطفلة ستتزوج من ذاك الشاب ابن الـ 21 سنة الذي التقته في المخيّم. أنهت العائلة إفطارها المؤلف من باذنجان وزعتر وزيت؛ «هذا هو المتوافر». تحمل آلاء الصينية وتذهب لجلي الصحون «عليها أن تعتاد، ستصير ست بيت». الجميع يرى آلاء عروساً و«ست بيت» بينما نراها طفلة تتأفف من كونها عليها أن تجلي الصحون. يخرج الأب من الخيمة وتصبح الجلسة أنثوية فقط: الأم، الأخت سوزان (16 سنة) وآلاء. منذ شهر تقريباً حضر الشيخ إلى الخيمة و«كتب كتاب» آلاء على زوجها المستقبلي. الجميع متشوق للعرس، سيقيمون حفلةً صغيرة لآلاء تحضرها فتيات المخيم، وعندما تنتهي الحفلة تذهب الطفلة مع زوجها. سينتقلان للعيش في خيمة أخرى. انتهت الأم من تحضير جهاز الطفلة، غطاء ووسادتان وفراش. تهتم الأم بابنتيها، تحبّهما، تخاف عليهما لكنها لا تعلم أنها ترمي فتاتها الصغيرة في نيران غريبة عنها... وقد تكون تعلم. يتكّلون جميعهم على الله من الأم إلى الفتاة. يرون أن الله سييسّر أمورهم. «هذا نصيبي» تقول آلاء. ستتزوج الفتاة الصغيرة وتدخل عالم الكبار. سترسم آلاء في خيالها بعد سنوات صورة الكبار الذين يصنعون الحروب ويقتلون الأطفال ويزوّجون الفتيات الصغيرات. فإذا كانت الحرب قد دمرت سوريا فإن الجهل والعوز سرق أحلام الأطفال واغتصبها لتخلق أحلام مشوهة، حزينة، كارهة.
(آلاء من ريف حلب، مخيم المعلية ــ صور)

ما زلن صغيرات





دخلنا خيمة أم عبدو قبل عودتها من العمل. كانت لميس تُلبس رنا (4 سنوات) ثياباً نظيفة وتنادي على عذاري (10 سنوات) كي تحضر أخوتها من الخارج. لميس الجميلة، طفلة وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن عائلتها في غياب أمها وأبيها. استقبلتنا ابنة الـ 13 سنة المهذبة ببسمة عذبة، رافعةً شعرها عن وجهها. أحضرت كرسيّاً للضيوف الغرباء الذين اقتحموا الخيمة. أنهت الفتاة للتو تنظيف الخيمة الكبيرة: 3 غرف، مطبخ صغير بجانبه مكانٌ للاستحمام، وباحةٌ مسيّجة بقصب يمنع من في الخارج من استراق النظر. ستائر زهرية اللون تغطي الشوادر الرمادية الداخلية. شبكٌ متين بارتفاع نصف متر يحيط «جدران» الخيمة ويفصلها عن الأرض كي تتسرب النسمات إلى الداخل، أمّا سقف الخيمة فقد وضع عليه «أبو عبدو» كرتوناً يخفف من حرارة الصيف الخانقة. الأرض مصبوبة بالباطون وتغطيها سجادات نظيفة. تحوّلت الخيمة إلى مكانٍ تشتهي العيش فيه لجمالها وترتيبها وأناقتها. «تقنيات الخيمة» اكتسبتها العائلة مع مرور الوقت، ولأم عبدو دور كبير في صناعة المشهد. تعود الأم الثلاثينية من العمل برفقة بناتها الكبار ليصبح عدد الموجودين في الخيمة 16 شخصاً من دون أبو عبدو وزوجته الثانية. بلغت تكلفة الخيمة مليون ونصف ليرة إضافة إلى إيجار شهري يبلغ 200 دولار، لأنها كبيرة. أوضاع العائلة، الآتية من الرقة، كانت مقبولة. جميع الأولاد كانوا في المدارس. كانت طموحاتهم كبيرة: تلك تريد أن تصبح دكتورة والأخرى محامية وذاك مهندس... تحطّمت الطموحات قبل أن تنضج، لا أحد منهم اليوم في المدرسة. تخاف أم عبدو على بناتها كثيراً لذلك تمنعهن من الخروج من الخيمة. الحمّام، الذي وزعته المنظمات الدولية، وضعته داخل الباحة كي لا يغادرن سور الخيمة. البعض منهنّ يباغتنها أثناء غيابها ويخرجن. حتى ابنها البالغ من العمر 15 سنة لا تدعه يخرج وحيداً؛ عندما يعود من عمله ليلاً يوصله رب العمل إلى مدخل المخيّم حيث يكون والده بانتظاره. تخاف الأم على بناتها من أي تحرشات قد يتعرضن لها، وتخاف على ابنها من ممارسات بعض العنصريين. فسحتهم الوحيدة للتنفس خارج شوادر الخيمة كانت البحر، لكنهم حُرموا منها أيضاً. «قرارات منع التجول، التهديد بالضرب، الاتهامات بالداعشية... جميعها أمور جعلتنا نمتنع عن الخروج. الأولاد يختنقون هنا لكن ما العمل؟» تسأل أم عبدو بحسرة. ترفض تزويج بناتها «ما زلن صغيرات». تشير إلى ابنتها البالغة من العمر 19 سنة «ابنتي تذهب أسبوعياً مع إحدى المنظمات وتعطي محاضرات عن أخطار الزواج المبكر والتحرّش الجنسي»، تقاطعها إحدى بناتها التي تبلغ الحادية عشرة من عمرها «عندما نعود إلى الرقة سنكمل تعليمنا ثم نتزوج». لا تعلم العائلة ماذا حلّ ببيتها في الرقة «ممنوعٌ على أحد أن يتكلّم عن الأوضاع هناك، عندما نتصل بأقربائنا يكتفون بالقول إن الوضع جيد، نسألهم عن بيتنا فلا يجيبون»، تقول لميس.
(أم عبدو من الرقة، مخيم الشواكير ــ صور)

شيء من الحزن على وجه دلال



العيش في خيمة غريب، مع الوقت يصبح متعباً. البعض اعتاد والبعض الآخر يرفض. هل سألتم أنفسكم يوماً كيف يمضي لاجئ سنوات من عمره داخل خيمة؟ تستيقظ دلال عند الخامسة فجراً سواء أكان لديها عمل أم لا. ضجة المخيّم لا تترك مجالاً للنوم. باغتتها تجاعيد جعلتها تبدو أكبر بـ 10 سنوات، هذا شيء من الحزن على وجوه البشر. في زاوية الخيّمة تجلس المرأة الثلاثينية. خيمتها هي بضع خشبات مغروسة في التراب تحمل شادرا طُبع عليه شعار مفوضية اللاجئين، ليس بمقدور دلال أكثر من هذا. لا يمكن الجلوس في الخيمة خلال الصيف أكثر من 5 دقائق، فالحر الشديد الناتج من احتباس الحرارة داخل شوادر النايلون يجعل الحرارة تصل في الداخل إلى أكثر من 35 درجة. طوال الصيف نامت دلال في الخارج. تسير يومياً مسافة كيلومتراً أكثر من 10 مرات لإحضار مياه للشرب... «لا يمكننا إرسال الأولاد لأننا بجانب طريق سريعة لذلك تذهب النساء». تُحدثنا فيما هي منشغلة في تحضير الطعام، تقول مستهزئة: «الرز، الرز رخيص وبيشبع، مع شوية بندورة أو بطاطا بيمشي الحال». يُجمع اللاجئون على أن الرز هو طعامهم اليومي خلال السنوات الماضية. في الخارج تنتشر فاكهة «الأفوكادو» على الأرض لكن لا أحد يلمسها خوفاً من تهمة السرقة. يدخل رمضان إلى الخيمة ليشارك في الأحاديث. هو دليل المخيم، رجل أربعيني لطيف يعرف الجميع. منذ 9 أشهر أتى رمضان إلى صور؛ قبل ذلك كان في البقاع إلا أنه هرب من بعض الممارسات العنصرية. يرفض الكلام عن هذه الممارسات يكتفي بجوابٍ واضح «رحلت من سوريا لكي لا أحمل سلاحاً، كي لا أضطر إلى أن أقتل ابن بلدي مهما كان انتماؤه. هربنا من العنف ولم نأتِ إلى هنا لنثير المشاكل، فضلنا الانتقال إلى صور».
جميع النساء يعملن في الزراعة. ثمة «وكيل» يؤمن لهنّ عملاً مقابل 2000 ليرة عن كل شخص. يوزّع العمل «بطريقة عادلة» على مختلف العائلات في المخيم. تعمل النساء أكثر من 8 ساعات يومياً مقابل 8000 ليرة وهو سعر يبدو أنه أصبح متعارفاً عليه في صور. لا يمكن لأحد أن يدخل خيمة دلال من دون ان تضيّفه القهوة. إذا رفض الضيف «المزعج» رغبة منه في التوفير على أهل الخيمة يأخذ الأمر بعداً عنصرياً… «شنّو نحنا لاجئين ما بتشربوا من عنا؟». وأهل الخيّمة محقّون في اعتراضهم العابر.
يكره اللاجئون فصل الشتاء. الشتاء في خيمة أرضها تراب يصير قاتلاً. فصل الدمار: تنهار الخيم، يزحف التراب، يضرب البرد أعماق الجسد، تتبلل الأغطية وتنتشر الأمراض. في الشتاء تضع دلال أفرشة عدة فوق بعضها البعض كي لا تتبلل بالمياه. تضرم النار بـ «لكَنٍ» مليئ بالأخشاب في الخارج ليتحول إلى جمر، عندها تدخله قليلاً إلى الخيمة لتدفئها، وتستمر على هذا الحال طيلة اليوم.
(دلال من ريف حلب، مخيم المعلية ــ صور)