فجأة، ينقلب كل شيء. برصاصة واحدة. هذا ما حصل في سوريا، رصاص الحرب قلب حياة كثيرين، منهم عبد الجبار وعيسى وعلي، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لترك بيوتهم واللجوء إلى بلد غريب والعمل في أي شيء للبقاء على قيد الحياة، لا أكثر من ذلك ولا أقل. هذه قصص ثلاث شباب جامعيين هربوا من الموت إلى «العتالة» وبيع المثلجات و«الديلفيري»، في ظل ظروف عمل لا تراعي الحد الأدنى من الإنسانية. مع ذلك، هذه ليست قصصهم وحدهم. هي قصص جامعيين كثر عبروا الحدود بلا حياتهم السابقة ليبدأوا هنا حياة «من الصفر»، كما يقال.



على حائط كلية الآداب



في الثانية والعشرين من عمره، نال الشاب السوري عبد الجبار إجازته الجامعية في الهندسة البيئية والصحية في بلده. كانت تلك «بداية المشوار»... قبل أن تشتعل سوريا وينقلب كل شيء رأساً على عقب. كانت خيارات العمل كثيرة، قبل أن تستحيل بعد اللجوء خياراً واحداً: التعلق بالهواء على حائط بلد غريب، لتأمين لقمة عيش صار يصعب الحصول عليها «هيك بلا ولا شي»، يقول. مع ذلك، لم يترك الشاب الذي كبر 3 سنوات إضافية في بلد اللجوء مقاعد الدراسة، هكذا، قسّم وقته ما بين مقاعد «صف الجغرافيا»... وحائط كلية الآداب الذي يشارك في بنائه مع من يشبهونه. تسير حياة عبد الجبار على هذا المنوال. يحضر باكراً إلى الكلية ليكمل عمله في البناء. وعندما تبدأ المحاضرة، ينسحب إلى صفه «لأنه غير هيك ما فيني اعمل، بدي عيش»، يقول.

بائع المثلجات



يضطر علي لدفع أربعة آلاف ليرة يومياً «أجرة» تاكسي من وإلى بيته. حدث ذلك بعدما سرق، أحد «الجيران» في الشارع حيث يسكن، دراجته النارية... و100 ألف ليرة «دفعتها على أساس يردّولي الدراجة». ليست هذه الحادثة هي أسوأ ما حدث لعلي الذي لجأ كغيره إلى لبنان، فثمة أشياء أخرى. فالأسوأ مثلاً، أن يطرد من غرفة شقيقه الناطور لأنه «ما ناقصنا»، نحن اللبنانيين، سوريين في مبانينا. والأسوأ أيضاً ألا يجد المجاز في الأدب الإنكليزي عملاً «يطعمه»، فيضطر بمساعدة بعض أبناء بلده لشراء عربة ليبيع المثلجات، ليبيت بعد نهار طويل من التجوال في غرفة مع ستة رفاق. علي، الذي هرب من القتل، يتمنى لو أنه قتل في سوريا «لكان أهون من الذل، الموت أشرفلي من إنو انهان». يتحسر الشاب على سنوات الدراسة وشهادته «اللي ببلدي كان إلها قيمة، كانت على الأقل الدولة كفلتني وامنتلي وظيفة».


الموت ولا المذلة



لم يكمل عيسى تخصصه في علم النفس، فالحرب التي دارت على مقربة من بيته اضطرته للهرب إلى لبنان قبل عام من تخرجه. مع ذلك، كان عليه أن «يطوي» هناك ويبدأ حياة جديدة ليس مطلوباً فيها إلا تأمين البقاء على قيد الحياة. نسي عيسى تخصصه، وبدأ البحث عن العمل. لم يكن مهماً ما هو، فالأهم بالنسبة إليه «ما إشحد أو موت من الجوع». عمل في بداية الأمر نادلاً في «أحد أشهر المطاعم»، لكن سرعان ما طرد منه، فاضطر غير راض للعمل في خدمة «الديلفيري» في مطعم صغير براتب زهيد وساعات عمل طويلة. يقول: «مجبور اعمل هيك لعيش وما انذل».