درّسونا، في مبادئ العقيدة المسيحيّة، أنّ الله على صورة الإنسان. ولكني لا أصدّق. لا علاقة هذا بإيماني بالله من عدمهِ. في جميع الحالات، لا أقتنع بأن الله على صورة الإنسان، ولا أن الإنسان على صورة الله. وليس من مصلحة الواحد منهما أن يكون على صورة الآخر. والآخر، من آخرين، وهو الجحيم، بالنسبة إلى جان بول سارتر، وبالنسبة إليّ أيضاً. والله، بالنسبة إليّ، وإلى المؤمنين على السواء، نقيض الجحيم. وفي مثل هذه الأيام العصيبة، يجوز لي، بسذاجة، أن أسأل هل تدخل المياه إلى خيمة الله.


أسأل ببراءة الطفل الذي نظر إلى السماء، تحت الجسر، عندما صدمت سيارة مسرعة شقيقته الصغيرة، وقال: لماذا يا الله. لم يجب أحد. ماتت الصغيرة. بدا واضحاً أنها ماتت، وأنها ليست تلك التي كانت تقفز قبل دقائق، في الزحمة، وتضيف إهانات السائقين إلى الصقيع، صقيع الله. وهرع مارة، ووصلت سيارة الصليب الأحمر. وجاء شرطي، شارك في الألم. صار الألم في دائرة وعيه، اعترف بالألم أخيراً. اعترف بالطفل، الذي يراه كل يوم، ولا يكترث. أزاحه برفق، إلى جانب الطريق، حاول حمايته من السيارات الأخرى.

■ ■ ■


عاد الطفل إلى خيمته. أعددت تحقيقاً سابقاً، قبل شهور، وأخبرني الطفل، أنه عندما جاء إلى هذه البلاد، سكن خيمة في البقاع، وأنه لا يعرف بيروت. وكانت خيمة باردة، وعندما أراد وصفها، وضع يديه على وجهه، وكزّ على أسنانهِ ممازحاً. كان يصف البرد. والطفل، لا يعرف السياسة، ولا يعرف ما الذي يفعله هنا. وآنذاك، سألته، ما لا يحق لي أن أسأله، عن السبب. ماذا يقول والده؟ من تشتم والدته؟ هل لديه أشقاء أكبر منه يقاتلون أو اعتقلوا؟ فكان أصدق مني، ولم يجب. لم يفهم، ولم يرد أن يفهم. وأخبرت صديقاً آخر عن صديقنا الطفل. فقال بلهجةِ الكبار: «الأسد أو نحرق البلد». والأسد أو نحرق البلد، ليس مجرد شعار، أو جملة تكتب على حائط، أو تلصق بفم طفل. الأسد أو نحرق البلد، ثقافة. شعور فائض بالقوة، بالقدرة على الحرق. الأسد أو نحرق البلد، «داعش»، و«جبهة النصرة»، والآخرين، الذين هم الجحيم، أخرجوا ذلك الطفل من مدرسته، ووضعوه في خيمة من ثلج، ثم نقلوه إلى رصيفٍ في بيروت، وقتلوا شقيقته الصغيرة، وأعادوه إلى الخيمة. هم الذين علّموه السؤال الأصعب: لماذا يا الله.

■ ■ ■


ولم يجب أحد بعد، ولن يجيب أحد. فالسؤال صعب، والإجابة أصعب. قبل أسابيع، عاد إلى الرصيف، مع كيس محارم ورقيّة، وقبعة صوفيّة مهترئة. يفعل ما كانت تفعله شقيقته الصغيرة. يضيف شتائم العابرين، الذين يضيقون ذرعاً بالزحمة، وحواجز التفتيش، إلى برد بيروت القارس. ولا يحب الوقت الأصعب. بين الثانية ظهراً والرابعة عصراً، لا يشتد الصقيع، ولا يتكاثر المطر، إنما تمر حافلات المدارس. وينظر الطفل إليها، محتاراً من أمرهِ. ويكرر السؤال، في قلبهِ، جازماً أنه لن يتلقى جواباً واضحاً واحداً. لماذا يا الله؟.